الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأوهموه أنه يميل إلى الملك الصالح، ووضعوا على لسانه أشعاراً نسبوها إليه، فأوجب ذلك استيحاشه، وتوجه إلى الموصل. وعرض القضاء على عمي أبي غانم محمد بن هبة الله بن أبي جرادة فامتنع. فقلد والدي القضاء بحلب وأعمالها، وبقي على قضائها إلى أن مات الملك الصالح، وفي دولة عز الدين، وعماد الدين، ومدة من دولة السلطان الملك الناصر.
وقبض الملك الصالح قرية للإسماعيلية تعرف بحجيرا من ضياع نقرة بني أسد، فكتب سنان إلى الملك الصالح كتباً عدة في إطلاقها، فلم يطلقها، فأرسل جماعة من الرجال معهم النفط والنار، فعمدوا إلى الدكان التي في رأس الزجاجين من الشرق في القرنة، فألقوا فيها النار.
فنهض نائب رئيس البلد بمن معه في المربعة، والجماعة المرتبون لحراسة الأسواق، وأخذوا السقائين ليطفئوا الحريق، فأتى الإسماعيلية من أسطحة الأسواق، وألقوا النار والنفط في الأسواق، فاحترق سوق البز الكبير، وسوق العطارين، وسوق مجد الدين، المعد للبز، وسوق الخليع، وسوق الشراشين وهو الآن يعرف الكتانيين وسوق السراجين، والسوق الذي غربي الجامع، جميعه، إلى أن انتهى الحريق إلى المدرسة الحلاوية.
واحترق للتجار والسوقية، من القماش والآلات شيء كثير، وافتقر كثير منهم بسبب ذلك، ولم يظفروا من الإسماعيلية بأحد، وذلك في سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
ومات سيف الدين غازي، صاحب الموصل، ووليها أخوه عز الدين مسعود، وذلك في سنة ست وسبعين وخمسمائة.
وفاة إسماعيل بن نور الدين زنكي
وكان الملك الصالح في هاتين السنتين رخي البال، مستقرا في مملكته، سالكاً في الإحسان إلى أهل حلب طريق أبيه. عفيف اليد والفرج واللسان، فقدر الله تعالى
أن حضر أجله، وله نحو من تسع عشرة سنة، فمرض بالقولنج، واشتد مرضه. فدخل إليه طبيبه ابن سكرة اليهودي، وقال له سرا: يا مولانا شفاؤك في الخمر، فإن رأيت أن تأذن لي في حمله في كفي، بحيث لا يطلع اللالا، ولا شاذبخت، ولا أحد من خلق الله على ذلك. فقال: يا حكيم، كنت والله أظنك عاقلاً. ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول:" إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " وما يؤمنني أن أموت عقيب شربها فألقى الله، والخمر في بطني، والله لو قال لي ملك من الملائكة: إن شفاءك في الخمر لما استعملته.
حكي لي ذلك والدي عن ابن سكرة الطبيب.
ولما أيس من نفسه أحضر الأمراء والمستحفظين، وأوصاهم بتسليم البلد إلى ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، واستحلفهم على ذلك، فقال لهم بعضهم: إن عماد الدين ابن عمك أيضاً، وهو زوج أختك، وكان والدك يحبه ويؤثره، وهو تولى تربيته، وليس له غير سنجار، فلو أعطيته البلد لكان أصلح، وعز الدين له من البلاد من الفرات إلى همذان، ولا حاجة له إلى بلدك، فقال له: إن هذا لم يغب عني، ولكن قد علمتم أن صلاح الدين، قد تغلب على البلاد الشامية، سوى ما بيدي، ومتى سلمت حلب إلى عماد الدين يعجز عن حفظها، وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهلنا معه مقام، وإن سلمتها إلى عز الدين أمكنه حفظها بكثرة عساكره وبلاده. فاستحسنوا هذا القول منه، وعجبوا من حسن رأيه مع شدة مرضه، وصغر سنه.
ثم مات يوم الجمعة خامس وعشرين شهر رجب، من سنة سبع وسبعين وخمسمائة. ودفن بقلعة حلب، إلى أن ابتنت والدته الخانكاه تجاه القلعة، ونقل إليها في أيام، فسير الأمراء: جورديك، والبصيري وبرغش، وجمال الدين شاذبخت، النوريون، مع جماعة المماليك النورية، إلى عز الدين، يستدعونه، وجددوا الأيمان فيما بينهم له.