الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومعهم ابن يغي سيان وهم سائرون لإنجاد أبيه، فبلغهم خبر هذه السرية، فساروا إليها بقطعة من العسكر، فلقوهم في أرض البارة فقتلوا منهم جماعة.
وعاد الفرنج إلى الروج، وعرجوا منه إلى معرة مصرين، فقتلوا من وجدوا وكسروا منبرها، وحين عاد العسكر الدمشقي من البارة فارقهم ابن يغي سيان ووصل إلى حلب يستنجد بالملك رضوان، فأخذ عسكر حلب وسكمان، ودخل بهما إلى أنطاكية فلقيهم من الفرنج دون عدتهم، فانهزم
عسكر المسلمين إلى حارم وذلك في آخر صفر، وتبعهم عسكر الفرنج إلى حارم فانهزموا إلى حلب، وغلب أهل حارم من الأرمن عليها.
وفي شهر ربيع الأول من السنة وصل خلق من الأرمن إلى تل قباسين بناحية الوادي فقتلوا من فيه، وخرج المسلمون الذين بالوادي وجماعة من الأتراك تبعوهم وقتلوا منهم جماعة، والتجأ الباقون إلى بعض الحصون الخربة، فأدركهم عسكر حلب فقاتلهم يومين، وأخذوهم فقتلوا بعضهم، وحمل الباقي أسرى إلى حلب فقتلوا، وكانو يزيدون عن آلف وخمسمائة.
الخيانة ودخول أنطاكية
ولما نزل الفرنج لعنهم الله، بأنطاكية جعلوا بينهم وبين البلد خندقاً لأجل غارات عسكر أنطاكية عليهم وكثرة الظفر بهم، ولا يكاد يخرج عسكر أنطاكية ويعود إلا ظافراً.
وجعل يغي سيان الناس على البعد والقرب وكان حسن التدبير في سياسة العسكر وجمع كربوقا صاحب الموصل عسكراً عظيماً، وقطع به الفرات ووصل دقاق وطغتكين وجناح الدولة، ووصل سكمان بن أرتق، وفارق رضوان وسار مع دقاق.
ووصل وثاب بن محمود ومعه جماعة من العرب ووصلوا تل منس وقاتلوها لأنه بلغهم أنهم كاتبوا الفرنج وأطمعوهم في الشام، وقرر عليهم
دقاق مالاً أخذ بعضه ورهائن على الباقي، وسيرهم إلى دمشق.
وسار دقاق بالعساكر إلى مرج دابق، واجتمع بكربوقا فيه في آخر جمادى الآخرة، ورحلوا منه نحو أنطاكية، فلما كان ليلة الخميس أول ليلة من رجب واطأ رجل يعرف بالزراد من أهل أنطاكية وغلمان له على برج كانوا يتولون حفظه، وذلك أن يغي سيان كان قد صادر هذا الزراد وأخذ ماله وغلته، فحمله الحنق على أن كاتب بيمند وقال له: أنا في البرج الفلاني، وأنا أسلم إليك أنطاكية أن أمنتني وأعطيتني كذا وكذا. فبذل له ما طلب، وكتم أمره عن باقي الفرنج
وكان بعسكر الفرنج تسعة قوامص مقتمين عليهم كندفري، وأخوه القمص، بيمند، وابن أخته طنكريد وصنجيل وبغدوين وغيرهم. فجمعهم بيمند وقال لهم: هذه أنطاكية إن فتحناها لمن تكون فاختلفوا، وكل طلبها لنفسه، فقال: الصواب أن يحاصرها كل رجل منا جمعة، فمن فتحت في جمعته فهي له، فرضوا بذلك.
فلما كانت نوبته دلى لهم الزراد لعنه الله، حنلاً، فطلعوا من السور، وتكاثروا، ورفع بعضهم بعضاً وجاءوا إلى الحراس، فقتلوهم، وتسلمه بيمند بن الانبرت.
وطلع الفرنج في سحرة هذه الليلة إلى البلد وصاح الصائح من ناحية جبل، فتوهم يغي سيان أن القلعة قد أخذت فخرج من البلد في جماعة منهزمين فلم يسلم منهم أحد.
ولما حصل بالقرب من أرمناز ومعه خادم من غلمانه وقع عن ظهر فرسه،
فحمله الخادم الذي كان معه، وأركبه، فلم يثبت على ظهر الفرس، وعاد فسقط، وأدركه الأرمن، فهرب الخادم عنه، وقتله الأرمن وحملوا رأسه إلى الفرنج، واستشهد في ذلك اليوم بأنطاكية ما يفوت الإحصاء ويجاوز العدد، ونهبت الأموال والآلات والسلاح، وسبي من كان بأنطاكية ووصل هذا الخبر إلى عم وانب، فهرب من كان بها من المسلمين وتسلمها الأرمن.
وبلغ الخبر إلى دقاق وكربوقا ومن كان معهما، فرحلوا إلى أرتاح، وسار بعضهم إلى جسر الحديد وقتلوا من كان فيه من الفرنج، وتوجهوا نحو أنطاكية، فعرفوا أن قلعتها باقية في أيدي المسلمين، فأعلموا العساكر الإسلامية بذلك، فوصلوا إلى أنطاكية سحرة يوم الثلاثاء سادس رجب، فانهزم من كان بظاهر البلد من الفرنج إليها.
ونزل المسلمون بظاهرها مما يلي الجبل، ودخلوا البلد من ناحية القلعة، وقاتلوا الفرنج في جبل المدينة، وأشرف الفرنج على التلف فبنوا سوراً على بعض الجبل يمنع المسلمين من النزول إليهم، وأقاموا أياماً، وعدم القوت عندهم، واحتوى كربوقا على كثير مما كان في قلعة أنطاكية، وولى فيها أحمد بن مروان، وترادفت رسل الملك رضوان في أثناء ذلك إلى كربوقا، فتوهم دقاق من ذلك، وخاف جناح الدولة من أصحاب يوسف بن أبق وأخيه.
وجرت بين الأتراك والعرب الذين مع وثاب منافرة عادوا لأجلها، وتفرق كثير من التركمان بتدبير الملك رضوان ورسالته.
وتحيل بعض الأمراء من بعض ثم اجتمع رأيهم على التحول إلى المنازلة في السهل بظاهر أنطاكية، فنزلوا باب البحر، وجعل المسلمون بينهم وبين البلد خندقاً.
وأكل الفرنج بأنطاكية الميتات والدواب، فخرجوا من أنطاكية يوم الاثنين السادس والعشرين من شهر رجب.
فأشار وثاب بن محمود أن يمنعوا من الخروج، وأشار بعض الأمراء أن لا يمكنوا من الخروج بأجمعهم ويقتلوا أولاً فأولاً، فلم يعرج المسلمون على شيء من: ذلك لأنهم أيقنوا بالظفر بالفرنج، وخرجوا بأجمعهم في خلق عظيم، وعاث التركمان في العسكر فانهزم، وتوهم الفرنج أن ذلك مكيدة
فتوقفوا عن تبعهم، فكان ذلك سبباً لسلامة من أراد الله سلامته، ولم يبق غير كربوقا ومعه أكثر عسكره، فأحرق سرادقه وخيامه وانهزم نحو حلب.
وقتل من المطوعة والغلمان والسوقة خلق كثير، ولم يقتل مذكور، ونهب من المسلمين من الآلات والخيام والكراع والغلات ما لا يحصى، ومن انقطع من العسكر نهبه الأرمن وعاد الفرنج إلى قلعة أنطاكية، وبها أحمد بن مروان، فراسله الفرنج وأمنوه، ومن كان معه، وسلمها إليهم يوم الأحد الثاني من شعبان من السنة، وأنزلوه في دار بأنطاكية، وأطلقوا أصحابه وسيروا معهم من يوصلهم إلى أعمال حلب، فخرج الأرمن فأخذوا بعضهم وقتلوا بعضهم، ولم يسلم منهم إلا القليل.
ولما وصل كربوقا إلى حلب خرج إليه الملك رضوان، وحمل له خياماً وغيرها، ورحل عنها وعاد عسكر دمشق إليها وتفرقت العساكر.
وبعد أيام من هذه الوقعة خرج جماعة من الفرنج في شعبان، وزحفوا مع أهل تلمنس وجميع نصارى بلد المعرة على المعرة وقاتلوها، فوصلت قطعة من عسكر حلب إليهم، فالتقوا بين تل منس والمعرة، فانهزم الفرنج وبقي الرجالة منهم، فقتل منهم زائداً عن ألف رجل، وحملت رؤوسهم إلى معرة النعمان.
وفي هذه السنة وهي سنة إحدى وتسعين في جمادى الأولى عزل الملك رضوان وزيره أبا النجم هبة الله بن محمد بن بديع، وولى وزارته أبا الفضل هبة بن