الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان شاذبخت قد احتاط، واستخدم جماعة من الأجناد، فصار في مقدار خمسمائة راجل، وشمس الدين في مقدار مائة، وأمر اسباسلار باب القلعة أبا بكر بن مقبل: أن يمنع من يصعد إلى القلعة من أصحابه وأصحاب إخوته، ما خلا سابق الدين وبدر الدين. فكانا يصعدان، ومع كل واحد منهما غلام واحد ووكل بباب شمس الدين ثلاثين رجلاً كل ليلة، فعتب على شاذبخت فقال له: أنا أبعث الرجال إليك، ليقوموا في الخدمة. وكان يوكل بالأجناد الدين خالفوه حفظة يمنعون من يدخل منهم أو يخرج، وكان هذا حال القلعة، في غيبة الملك الصالح.
الفتنة الطائفية
وأما حال المدينة فإن السنة من أهل البلد مالوا إلى المجدية، لتعصبهم للسنة على الشيعة، وجمعهم بدر الدين حسن شحنة حلب، واستخلصهم في الليل. وكان فيهم بنو العجمي، والشيخ أبو يعلى بن أمين الدولة، وبنو قاضي بالس على ما ذكر وطلب القاضي أبا الفضل بن الخشاب وبني الطرسوسي، فأبوا أن يحضروا.
وكان أهل حلب من الشيعة، يتوالون أبا الفضل بن الخشاب ويقدمونه عليهم، فوافقوه على حفظ البلد للملك الصالح، وعلى مخالفة بني الذاية. فسير بدر الدين حسن إلى ابن الخشاب، وقال له: إن جماعة عندي قذفوك، وتحدثوا بأنك تطعن في الدولة، وأنك تريد أن تملك حلب.
وكان بدر الدين وأخواه أرادوا أن تقع الفتنة بحلب بين السنة والشيعة، ليستقيم أمرهم، فثار الغوغاء من الشيعة ونهبوا دار قطب الدين بن العجمي بالقرب من الزجاجين، ودار أبي يعلى بن أمين الدولة، بالجرن الأصفر. وكان فيها أموال الأيتام. وانتقل ابن العجمي بعد ذلك إلى البلاط، وابن أمين الدولة إلى تحت القلعة بالقرب من مسجد السيدة.
وقتل في ذلك اليوم في مدرسة الزجاجين الشيخ أبو العباس المغربي، وكان مقرئاً محدثاً.
وثارت الفتنة بين الطائفتين، وطلب الفقراء دور الأغنياء فنهبت دار أبي جعفر ابن المنذر بالعقبة، فجمع بدر الدين حسن جماعة من الأجناد ومن أهل البلد السنة ومن العسكر، وألبسهم السلاح، وصعد إلى شاذبخت، وقال له: إن أبا الفضل بن
الخشاب يريد أن يملك البلد وقد مال إليه الشيعة وبعض السنة، فتعينني بنقابين وزراقين حتى أقبض عليه، وأعتقله، إلى أن يحضر الملك الصالح.
فأمر الأجناد بلبس السلاح والخروج معه، وصار بهم إلى تل فيروز وهو موضع سوق الصاغة الآن وكان إذ ذاك تلا. وأخذوا الفلايج والأبواب، وسدوا بها الدروب، وزحفوا من الطرق والأسطحة، إلى دار ابن الخشاب. ووقع قتال شديد، وقتل بين الفريقين جماعة كثيرة، وانتهى إلى الدار، فأحرقها ونهبها، ونهب أدر جماعة من المجاورين له.
وانهزم القاضي أبو الفضل، واختفى في دار فخرا وابن كياعميد بالقرب من حمام شراحيل، فأقام بها إلى أن وصل الملك الصالح في المحرم، من سنة سبعين وخمسمائة، وصعد إلى القلعة، وقبض على بني الداية كما ذكرنا وصار الأمر والتدبير إلى سعد الدين كمشتكين الخادم، وهو الذي بني الخانكاه المنسوبة إليه بحلب، في جوارنا، وهي كانت دار أبي الطيب المتنبي، بحلب.
وكان شمس الدين علي قد عزم على أن الملك الصالح إذا قدم أخذه بمفرده، وصعد به إلى القلعة. ولا يمكن أحداً من الأمراء من الصعود، ويطردهم، ويستقل بالأمور.
فسير شاذبخت من أسر ذلك إلى الأمراء الدين كانوا في صحبة الملك الصالح فاتفق رأيهم في قنسرين على قبض أولاد الداية، وتحالفوا على أن قدموا كمشتكين، فلما رحلوا من قنسرين، بدأوا بسابق الدين، وكان قد وجه إلى دمشق في تقرير الأمور، فقبضوه، وحفظوا الطرق لئلا يصل إلى حلب من يخبر أخويه، إلى أن صعدوا إلى القلعة كما ذكرنا.
وأما أبو الفضل بن الخشاب، فإن الملك الصالح أمنه، وسير له خاتماً، وركب إلى القلعة، ومعه خلق كثير من أهل حلب، وعوامها، يمشون في خدمته، وأكد أمره، وقرر على أن يقتل. فلما دخل إلى القلعة، ووصل قدام الفرن بالقلعة، ضربه علي أخو عز الدين جورديك فرماه. وجاء بعض أجناد القلعة فاحتز رأسه، وجعلوه على باب القلعة. ثم رفع على رمح إلى برج بالقلعة، يقال له برج الزيت وتفرق أصحابه من تحت القلعة، عند ذلك.
واستو لى على دولة الملك الصالح أمير لالا المجاهد ياقوت، وهو الحاكم