الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سمع الملك الصالح بن الكامل بذلك، فتوجه نحو دمشق، حتى وصل إلى العقبة، فلم يجد معه من عسكره من ينصحه، فعاد إلى نابلس، فسير الملك الناصر صاحب الكرك وقبض عليه، وحمله مقيداً إلى الكرك وسجنه بها. وتجددت الوحشة بين الملك الناصر، وبين الملك الصالح، عمه، بسبب استيلائه على دمشق. واتفق الملك العادل وعمه الملك الصالح.
فاستوحش الملك الناصر من الملك العادل لذلك، حتى آل الأمر به إلى أن أخرج الملك الصالح بن الكامل من سجن الكرك، وخرج معه، وكاتب الأمراء بمصر، فقبضوا على الملك العادل ببلبيس، في ليلة الجمعة، الثامنة من ذي القعدة، من سنة سبع وثلاثين وستمائة.
ووصل الملك الصالح أيوب، فدخل القاهرة، بكرة الأحد الرابع والعشرين من الشهر المذكور.
وكنت إذ ذاك بالقاهرة، رسولاً إلى الملك العادل، أهنئه بكسر عسكره الإفرنج على غزة، وأطلب أن يسير عماته بنات الملك العادل، معي إلى أختهن الملكة إلى حلب، فاستحضرني الملك الصالح أيوب، يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة، وقال لي: تقبل الأرض بين يدي الستر العالي، وتعرفها أنني مملوكها، وإنها عندي في محل الملك الكامل، وأنا أعرض نفسي لخدمتها، وامتثال أمرها فيما تأمر به، وحملني مثل هذا القول إلى السلطان الملك الناصر.
ونزلت في مصر، فاجتمعت بالملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل، في رابع محرم سنة ثمان وثلاثين، وحملني رسالة إلى الملكة الخاتون، يطلب منها معاضدته، ومساعدته على الملك الصالح صاحب مصر إن قصده، فلم تجبه إلى ذلك في ذلك الوقت.
تحرك الخوارزمية
وكان الخوارزمية، في سنة سبع وثلاثين، قد وضعوا أيديهم على أوشين، من بلد البيرة وطمعوا في أطراف باب البيرة، واستولوا على قلعة حران،
حين كان الملك الصالح محبوساً بالكرك، وامتدت أطماعهم إلى البلاد المجاورة لهم، وكثر تثقيلهم على الملك الحافظ أرسلان ابن الملك العادل، بناحية قلعة جعبر، وهو يداريهم، ويبذل لهم الأموال، وأطماعهم تشتد.
واتفق أنه فلج، وخاف من ولده، فأرسل إلى أخته الملكة بحلب يطلب منها أن تقايضه بقلعة جعبر وبالس، إلى شيء تعمل له، بمقدار قلعة جعبر، وبالس. فاتفق الأمر على أن تعوضه بعزاز، ومواضع تعمل بمقدار ذلك. وسير من حلب من تسلم قلعة جعبر، في صفر من سنة ثمان وثلاثين وستمائة. ووصل الملك الحافظ إلى حلب، في هذا الشهر، وصعد في المحفة ألى القلعة، واجتمع بأخته الملكة، وأنزل في الدار المعروفة بصاحب عين تاب تحت القلعة وسلمت إلى نوابه قلعة عزاز.
فخرج الخوارزمية، عند ذلك، وأغاروا على بلد قلعة جعبر، ووصلوا بالس، فأغاروا عليها، ونهبوها، ولم يسلم منها إلا من كان خرج عنها إلى حلب وإلى منبج.
وفي هذا الشهر، توفي القاضي. جمال الدين أبو عبد الله، محمد بن عبد الرحمن بن علوان قاضي حلب وولي قضاءها بعده نائبه ابن أخيه كمال إلا أبو العباس، أحمد ابن القاضي زين الدين أبي محمد.
وخرج عسكر حلب إلى جهة الخوارزمية، ومقدمهم الملك المعظم تورانشاه، ابن الملك الناصر، فنزلوا بالنقرة، ورحلوا منها إلى منبج، وأقاموا بها مدة. وتجمع الخوارزمية في حران، والحلبيون غير محتفلين بأمرهم وعسكر حلب بعضه في نجدة ملك الروم في مقابلة التتار، وبعضهم في قلعة
جعبر، وبعضهم مفرقون في القلاع، مثل شيزر، وحارم، وغيرهما.
وسار الخوارزمية، بجملتهم، في جمع عظيم، ومعهم الملك الجواد بن مودود ابن الملك الحافظ، والملك الصالح ابن الملك المجاهد صاحب حمص، وكان جمعهم يريد على اثني عشر ألفا، وانضم إليهم الأمير علي بن حديثة في جموعه من العرب، وكان استوحش من أهل حلب، لتقريبهم الأحلاف.
وعبروا بجملتهم من جسر الرقة، وساروا، حتى وصلوا نهر بوجيار، وسمع بهم من بمنبج، من عسكر حلب، فرحلوا من منبج، ونزلوا في وادي بزاعا، وأصبح كل واحد من الفريقين، يطلب صاحبه، وعسكر حلب لا يزيدون عن ألف وخمسمائة فارس.
وتعبأ كل فريق لقتال صاحبه. وأقبل الخوارزمية ومقدمهم بركة خان، ومعه صاروخان، وبردي خان، وكشلوخان. وغيرهم، من أمرائهم، والملك الجواد، وابن الملك الحافظ، وابن صاحب حمص، وعسكر ماردين، نجدة معهم وعبروا نهر الذهب.
والتقى الفريقان، على البيرة قرية بالوادي في يوم الخميس رابع عشر، من شهر ربيع الآخر، من سنة ثمان وثلاثين وستمائة، فصدمهم عكسر حلب على قلته، صدمة، تزحزحوا لها، وتكاثر الخوارزمية عليهم.
وجاء علي بن حديثة لما، وخرج من بين البساتين، وجاء من وراء عسكر حلب، ووقع في الغلمان، والركابدارية، وأحاطوا بهم، من جميع الجهات، وانهزموا وهم مطبقون عليهم، وجعلوا طريقهم على رصيف الملكة، الذي يأخذ من بزاعا إلى حلب، حتى خرجوا فيما بين ربانا، وتلفيتا.
والخوارزمية في آثارهم يقتلون، ويأسرون، ونزلوا من جهة الإعرابية، وفرفارين، وهم في آثارهم، فقبضوا على الملك المعظم، بعد أن ثبت في المعركة، وجرح جراحات مثخنة، وعلى أخيه نصرة الدين، وقبضوا على عاقة الأمراء، ولم يسلم من العسكر إلا القليل.
وقتل في المعركة الملك الصالح، ابن الملك الأفضل، وابن الملك الزاهر، وجماعة كثيرة. واستولوا على ثقل العسكر، ونهب الأحلاف من العرب أكثر ثقل العسكر، وكانوا أشد ضرراً على العسكر، في انتهاب أموالهم من أعدائهم.
ونزل الخوارزمية حول حيلان، وامتدوا على النهر، إلى فافين، وقطعوا على جماعة من العكسر أموالاً أخذوها منهم، وابتاعوا بها أنفسهم، وشربو تلك الليلة، وقتلوا جماعة من الأسرى صبراً، فخاف الباقون، وقطعوا أموالاً على أنفسهم، وزنوها فمنهم من خلص، ومنهم من أخذوا منه المال، وغدروا به، ولم يطلقوه.
واحتيط بلد حلب، وتقدم إلى مقدمي البلدة بحفظ الأسوار، والأبواب وجفل أهل الحاضر، ومن كان خارج المدينة إلى المدينة، بما قدروا على نقله من أمتعتهم.
وبقي في البلد الأميران: شمس الدين لؤلؤ، وعز الدين بن مجلى، في جماعة، لا تبلغ مائتي فارس يركبون، ويخرجون إلى ظاهر المدينة، يتعرفون أخبارهم، وبثوا سراياهم، في أعمال حلب يشنون الغارة فيها، فبلغت خيلهم إلى بلد عزاز، وتل باشر، وبرج الرصاص، وجبل سمعان، وبلد الحوار طرف العمق.
وجاؤوا أهل هذه النواحي على غفلة، فلم يستطيعوا أن يهربوا بين أيديهم، ومن أجفل منهم لحقوه، فأخذوا من المواشي والأمتعة، والحرم، والصبيان، ما لا