الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بأمور الدين، قد أضلتهم الشبهة، أما اليوم فقد شاع أمر الدين واستفاض العلم بوجوب الزكاة، حتى عرفه الخاص والعام، فلا يعذر أحد بتأويله وكان سبيلها سبيل الصلوات الخمس ونحوها» (1).
تحليل الاستدراك:
الزمن الأول: هو الزمن المُباشر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر رضي الله عنه.
الحكم الأول: هو الحكم بالبغي على من فرّق بين فرضي الصلاة والزكاة، وعدم الحكم بكفرهم.
الزمن الثاني: هو زمان شيوع الدين واستفاضة العلم بفرائضه التي منها وجوب الزكاة، حتى عرفه الخاص والعام.
الحكم الثاني: هو الحكم بكفر مُنكر وجوب الزكاة بالإجماع.
فلما أراد المُستشكل إنزال حكم الزمن الثاني على الزمن الأول، استُدرك عليه بعنصر مُعطيات الزمن، حيث تختلف؛ لما في الزمان الأول من احتمالات - من جهلٍ وتأويلٍ - تصرف الحكم بالكفر على الفاعل، أما في الزمان الثاني فقد انتفت هذه الاحتمالات فيثبت الحكم، فالفرق بين الزمانين أحدث فرقًا في الحكم على مُنكر الزكاة.
المسألة الثالثة: الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل باعتبار الإنسان، وتطبيقاته
.
والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في تعيين محل الحكم باعتبار الشخص المنزل عليه، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
(1) السابق، (8/ 356).
تطبيقاته:
النموذج الأول:
في (الموطأ): «أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبٍ (1) سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ (2)، فَانْتَحَرُوهَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَمَرَ عُمَرُ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ (3)
أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَرَاكَ تُجِيعُهُمْ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْكَ. ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ: كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِكَ؟ فَقَالَ الْمُزَنِيُّ: قَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ. فَقَالَ عُمَرُ: أَعْطِهِ ثَمَانَ مِائَةِ دِرْهَمٍ» (4).
تحليل الاستدراك:
حدُّ السارق قطع اليد بشروطه، وهذا هو الحكم المتبادر عند ثبوت السرقة، لكن عند تنزيل هذا الحكم على العبيد هنا استدرك عمر رضي الله عنه على نفسه حكمَه في العبيد بالقطع في بدء الأمر، لمراعاته اللاحقة لعناصر مؤثرة في الحكم باعتبار الشخص المنزل عليه، وهو إجاعةُ السيد رقيقَه المُلجئةُ إلى السرقة، فتغير الحكم لذلك.
(1) هو: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد، حاطب بن أبي بلتعة عمرو بن عمير بن سلمة، اللخمي المكي، حليف بني أسد بن عبد العزى بن قصي، من مشاهير المهاجرين، شهد بدرا والمشاهد، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس، وكان تاجرا في الطعام، وكان من الرماة الموصوفين، وفيه نزلت هذه السورة {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1]، توفي سنة 30 هـ، وصلى عليه عثمان رضي الله عنه.
[يُنظر: سير أعلام النبلاء، (2/ 43). و: أسد الغابة، (1/ 528)].
(2)
«بطن من مضر، من العدنانية» . [معجم قبائل العرب القديمة والحديثة، عمر رضا كحّالة، (3/ 1083)].
(3)
هو: أبو عبد الله، كثير بن الصلت بن معدي كرب بن وكيعة الكندي المدني، كان اسمه قليلا فسماه عمر بن الخطاب كثيرا، وكان له شرف وحال جميلة في نفسه وله دار بالمدينة كبيرة في المصلى وقبلة المصلى في العيدين إليها، وهي تشرع على بطحاء الوادي الذي في وسط المدينة، قال ابن حجر: من الثانية، ووهم من جعله صحابيا.
[يُنظر: الطبقات الكبرى، (5/ 14). و: تهذيب الكمال، (24/ 127). و: أسد الغابة، (4/ 485). و: تقريب التهذيب، (808)].
(4)
الموطأ برواياته الثمانية، الإمام مالك، تحقيق/ الهلالي، (3/ 579)، ك الأقضية، ب القضاء في الضواري والحريسة، رقم (1566).
النموذج الثاني:
في (صحيح البخاري): «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ (1)
لِعَائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ (2) طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ فَخَرَجَتْ؟ فَقَالَتْ: بِئْسَ مَا صَنَعَتْ. قَالَ: أَلَمْ تَسْمَعِي فِي قَوْلِ فَاطِمَةَ؟ قَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ (3) عَنْ هِشَامٍ (4) عَنْ أَبِيهِ: عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ، وَقَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ (5)، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا؛ فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم» (6).
(1) هو: أبو عبد الله، عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، القرشي الأسدي، المدني، الفقيه، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عمته صفية، وأمه أسماء ابنة أبي بكر الصديق، ولازم خالته عائشة رضي الله عنها وتفقه بها، توفي سنة 94 هـ.
[يُنظر: الطبقات الكبرى، (5/ 178). و: سير أعلام النبلاء، (4/ 421)].
(2)
قيل هي عمرة بنت عبد الرحمن بن الحكم، والراوي هنا نسبها إلى جدها، ونسبتها إلى أبيها عبد الرحمن جاءت في طرق أخرى. [ينظر: فتح الباري، (9/ 479، 478)].
(3)
هو: أبو محمد، عبد الرحمن بن الفقيه أبي الزناد، عبد الله بن ذكوان، القرشي، مولاهم المدني، الإمام، الفقيه، الحافظ، صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد، ولي خراج المدينة فحُمد. توفي سنة 174 هـ.
[يُنظر: سير أعلام النبلاء، (8/ 167). و: تهذيب الكمال، (17/ 95). و: تقريب التهذيب، (578)].
(4)
هو: أبو المنذر، هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، القرشي، الأسدي، الزبيري، المدني، الإمام الثقة، شيخ الإسلام، كان كثير الحديث، وكان يمكنه السماع من جابر، وسهل بن سعد، وأنس، وسعيد بن المسيب، فما تهيأ له عنهم رواية، وقد رأى ابن عمر، وحفظ عنه أنه دعا له، ومسح برأسه، ووفد على أبي جعفر المنصور بالكوفة ولحق به ببغداد فمات بها ببغداد سنة 146 هـ، وصلى عليه أبو جعفر المنصور.
[يُنظر: الطبقات الكبرى، (7/ 321). و: سير أعلام النبلاء، (6/ 34)].
(5)
«بفتح الواو وسكون المهملة بعدها معجمة أي خال لا أنيس به» . [فتح الباري، (9/ 479)].
(6)
(7/ 58)، ك الطلاق، ب قصة فاطمة بنت قيس، رقم (5325 و 5326).
تحليل الاستدراك:
استدركت عائشة رضي الله عنها على عروة تنزيله حكمَ النبي صلى الله عليه وسلم في فاطمة بنت قيس على حادثة بنت الحكم؛ لاختلاف حال الأشخاص في الحادثتين، ورأت أنّ عدم السكنى لفاطمة ليس لبتّ طلاقها، وإنما لأنها كانت تسكن بيتًا موحِشًا خاليًا لا أنيس فيه، فخيف عليها البقاء فيه، وعليه فلا يُنزّل حُكمها على حادثة بنت الحكم.
النموذج الثالث:
تحليل الاستدراك:
استدرك ابن تيمية على من أنكر على قوم من التتار يشربون الخمر؛ لغفلة المُنكِر عن حال الشخص المُنزّل عليه الحكم، فإن هؤلاء القوم الشاربين ناس سوء وإفساد، فشُرب الخمر يُقلل من إفسادهم، فهو أولى من ترك الشُّرب، فالمصلحة هي في عدم الإنكار عليهم، وإن كانت المصلحة هي في الإنكار على غيرهم.
(1) هو: أَبُو عبد الله، مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب، الزرعي ثمَّ الدِّمَشْقِي، ابْن قيم الجوزية، شمس الدّين، الأصولي الْمُفَسّر النَّحْوِيّ، لازم الشَّيْخ تَقِيّ الدّين، له اعتناء بِعلم الحَدِيث والنحو وَعلم الْكَلَام والسلوك، له: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة، وسفر الهجرتين وباب السعادتين، زاد المعاد في هدى خير العباد، وغيرها. توفي سنة 751 هـ.
[يُنظر: المقصد الأرشد، (2/ 384). و: شذرات الذهب، (6/ 167)].
(2)
إعلام الموقعين، (2/ 15)