الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تحليل الاستدراك:
فالطريقة الكلية المستدركة هنا هي تأويل نصوص الشريعة على حسب كلام الفقيه؛ لتوافق كلامه. والطريقة الصحيحة هي عكس هذا.
المسألة الثانية: الاستدراك الجزئي على الاجتهاد في التأويل، وتطبيقاته
.
والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في تفسير نص جزئي، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
والنص - كما سبق - يدخل فيه نص القرآن، ونص السنة، ونص الفقيه، وأُمثِّل لكل منها في التطبيقات.
تطبيقاته:
أوّلاً: الاستدراك على تأويل نص من القرآن، وتطبيقاته.
النموذج الأول:
(1) هو: أبو وهب وأبو طريف، عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس، الشريف، الطائي، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، ولد حاتم طي الذي يضرب بجوده المثل. وفد عدي على النبي صلى الله عليه وسلم في وسط سنة سبع، فأكرمه واحترمه، فأسلم وكان نصرانيا، وكان أحد من قطع برية السماوة مع خالد بن الوليد إلى الشام، وقد وجهه خالد بالأخماس إلى الصديق. نزل الكوفة مدة ثم قرقيسيا من الجزيرة. توفي سنة 67 هـ.
[يُنظر: أسد الغابة، (4/ 10). و: سير أعلام النبلاء، (3/ 162)].
(2)
البقرة: 187.
(3)
«بكسر المهملة، أي حبل» . [فتح الباري، (4/ 133)].
(4)
رواه البخاري في (صحيحه)، (3/ 28)، ك الصوم، ب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، رقم (1916).
تحليل الاستدراك:
أخطأ عدي رضي الله عنه في فهم النص الدال على الحكم الفقهي، مما أدى إلى استنباط وتطبيق خاطئين للحكم الفقهي.
حيث حمل لفظَ {الْخَيْطِ} في الآية على حقيقته اللغوية؛ لأنها المتبادرة إلى الذهن، كما تبادر نفس هذا الفهم إلى بعض الصحابة - قبله - عندما نزلت الآية قبل نزول {مِنَ الْفَجْرِ} (1)،
وأما عدي رضي الله عنه فإنه حمل {مِنَ الْفَجْرِ} على السببية، يعني «من أجل الفجر» (2)، فيكون سبب تبيُّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود - على فهمه - هو طلوع ضوء الفجر، ولم يكن معروفًا في لغته إطلاق الخيط الأبيض والخيط الأسود على بياض النهار وسواد الليل، أو أنه نسي {مِنَ الْفَجْرِ} ، فلم يعمل بمدلولها (3).
(1) وهي قصة غير قصة عدي رضي الله عنه، كما رجح ذلك ابن حجر وهي القصة التي رواها سهل بن سعد رضي الله عنه قال:«أُنْزِلَتْ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} وَلَمْ يَنْزِلْ {مِنَ الْفَجْرِ} فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ {مِنَ الْفَجْرِ} فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» [يُنظر ترجيح ابن حجر في: فتح الباري، (6/ 163). وحديث سهل في: صحيح البخاري، (3/ 28)، ك الصوم، ب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، رقم (1917). وبنحوه عند مسلم في: صحيحه، (486)، ك الصيام، ب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك، رقم (34 - 1091، 35 - 1091)] ..
(2)
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي، (3/ 147)
(3)
يُنظر: فتح الباري، (6/ 163).
فاستدرك عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفهم، ببيان مدلول اللفظ المراد وهو أنه ليس على الحقيقة اللغوية، بل هو على استعمال عُرفي في الاستعارة عند بعض العرب (1) بقرينة دالة عليه وهي {مِنَ الْفَجْرِ} .
النموذج الثاني:
في (التبصرة): «وقال ابن القاسم (2)
فيمن حل ممن أحصر بعدو: لا هدي عليه. وقال أشهب (3) في كتاب محمد: عليه الهدي، وإن لم يجد صام، وقد قال الله تعالى:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (4). قال: هذا فيمن أحصر بعدو. وتأول ابن القاسم الآية على المرض.
(1) قال ابن حجر: «وَهَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعَرَبِ» . [فتح الباري، (6/ 163)].
(2)
هو: أبو عبد الله، عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة، العتقي، مولاهم المصري صاحب مالك، عالمُ الديار المصرية ومفتيها، روى عن مالك، وعبد الرحمن بن شريح، ونافع بن أبي نعيم، المقرئ، وبكر بن مضر، وطائفة قليلة، وعنه: أصبغ، والحارث بن مسكين، وسحنون، وعيسى بن مثرود، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وآخرون، وقال ابن وهب لأبي ثابت: إن أردت هذا الشأن، يعني فقه مالك، فعليك بابن القاسم، فإنه انفرد به وشغلنا بغيره. له: المدونة، وهي من أجل كتب المالكية. توفي سنة 191 هـ.
[يُنظر: ترتيب المدارك، (3/ 244). و: سير أعلام النبلاء، (9/ 120). و: الأعلام، (3/ 323)].
(3)
هو: أبو عمرو، أشهب بن عبد العزيز بن داود، بن إبراهيم، القيسي، العامري، المصري الفقيه، مفتي مصر، مالكي محقق، تفقه بمالك والمدنيين والمصريين، وقرأ على نافع، قال الشافعي: ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه. وصنف كتاباً في الفقه رواه عنه سعيد بن حسان، وله كتاب اختلاف في القسامة. وله كتاب في فضائل عمر بن عبد العزيز، توفي سنة 204 هـ.
[ينظر: ترتيب المدارك، (3/ 262). و: سير أعلام النبلاء، (9/ 500)]
(4)
البقرة: 196
والأول أحسن؛ لأن الآية نزلت بالحديبية، قد حصرهم العدو، فقال الله تعالى:{فَإِذَا أَمِنْتُمْ} (1)، والأمن يكون من الخوف، فكان حمل الآية على الخوف الذي كانوا فيه، وعلى المعهود من هذا الاسم، حتى يقوم دليل أن المراد الأمن من المرض» (2).
تحليل الاستدراك:
استدرك صاحب التبصرة على ابن القاسم بسبب تأويله الإحصار في الآية بالمرض، حيث أَخرج بهذا التأويل الصورة التي نزلت من أجلها الآية وهي الإحصار بعدو، مما نتج عنه عدم القول بالهدي في حالة إحصار العدو، فردّ هذا التأويل.
ثانيًا: الاستدراك على تأويل نص من السنة، وتطبيقاته.
النموذج الأول:
«يُخبر أبو صالح الزيات (3) أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ (4)
رضي الله عنه يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَقُولُهُ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَأَلْتُهُ،
(1) البقرة: 196
(2)
اللخمي، من أول كتاب الحج إلى نهاية كتاب الجهاد، بتحقيق توفيق الصايغ، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، قسم الفقه، (179).
(3)
هو: أبو صالح، ذكوان بن عبد الله، السمان الزيات المدني، مولى أم المؤمنين جويرية الغطفانية، القدوة الحافظ الحجة، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة. من كبار العلماء بالمدينة، ولد في خلافة عمر رضي الله عنه، وشهد يوم الدار وحصر عثمان رضي الله عنه، ولازم أبا هريرة رضي الله عنه مدة، توفي سنة 101 هـ.
[يُنظر: سير أعلام النبلاء، (5/ 36). و: تهذيب الكمال، (8/ 513)].
(4)
هو: أبو سعيد، سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة، الخدري، الأنصاري الخزرجي الساعدي، الإمام المجاهد، مفتي المدينة، مشهور بكنيته. أول مشاهده الخندق وغزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة غزوة وكان ممن حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنناً كثيرة وروى عنه علماً جماً وكان من نجباء الأنصار وعلمائهم وفضلائهم، توفي سنة 74 هـ.
[يُنظر: أسد الغابة، (6/ 151). و: الاستيعاب، (4/ 1671). و: سير أعلام النبلاء، (3/ 169)].
فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: كُلَّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنِّي، وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ (1) أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ» (2).
تحليل الاستدراك:
فسر ابن عباس رضي الله عنهما الحصر على ظاهره في الحديث «لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ» فعمم الحكم على كل ربويَّين، مختلفين كانا أو متماثلين؛ أنه لا يحصل الربا بينها بالتفاضل إلا عند عدم التقابض في مجلس العقد. ولكن أبا سعيد رضي الله عنه بلَّغه نصًّا به يتأَوّل الحصر الظاهر إلى مفهوم آخر، وهو ما ذكره العلماء - بعدُ - من وجوه للجمع بين النصين، من أن حديث أسامة رضي الله عنه هو في الربويين المختلفين، أو أن النفي في الحديث هو نفي الأغلظ والشديد، وليس نفي ذات الربا (3)، فيكون للحديث محمل خاص خفي على ابن عباس رضي الله عنهما.
النموذج الثاني:
استدراك صاحب (فتح الباري) على تأويل معنى: «فالتفتوا إليها» .
ذلك أنه في (صحيح البخاري) بسنده عن جابر بن عبد الله (4)
رضي الله عنهما قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا
(1) هو: أبو زيد، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حارثة، وقيل: أبو يزيد، أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبدالعزى بن امرئ القيس، المولى الأمير الكبير. حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومولاه، وابن مولاه، رباه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم: أم أيمن، وكان أبوه أبيض، بينما هو شديد السواد، وقد فرح له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول مجزز المدلجي - لما رأى أقدامهما -: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على جيش لغزو الشام، وكان عمره 18 سنة، وفي الجيش عمر والكبار ; فلم يسرِ حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبادر الصديق رضي الله عنه ببعثهم، توفي سنة 54 هـ.
[يُنظر: أسد الغابة، (1/ 101). و: سير أعلام النبلاء، (2/ 496)].
(2)
رواه البخاري، (3/ 74)، ك البيوع، ب بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ نَسَاءً، رقم (2178، 2179).
(3)
يُنظر: فتح الباري، (7/ 6).
(4)
هو: أبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن، جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، الأنصاري، الخزرجي، السلمي، المدني، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الإمام الكبير، المجتهد، الحافظ، الفقيه، مفتي المدينة في زمانه، من المكثرين في الحديث.
شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صبي، من أهل بيعة الرضوان، أطاع أباه يوم أحد وقعد لأجل أخواته، ثم شهد الخندق وبيعة الشجرة، وكان آخر من شهد ليلة العقبة الثانية موتا، توفي سنة 78 هـ.
[يُنظر: أسد الغابة، (1/ 377). و: سير أعلام النبلاء، (3/ 189)].
بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} (1)» (2).
قال صاحب (الفتح): «قَوْله: (فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا). فِي رِوَايَةِ اِبْنِ فُضَيْلٍ (3)
فِي اَلْبُيُوعِ: «فَانْفَضَّ اَلنَّاس» وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلَفْظِ اَلْقُرْآنِ (4)، وَدَالٌّ عَلَى أَنَّ اَلْمُرَادَ بِالِالْتِفَاتِ اَلِانْصِرَاف، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ حَمَلَ اَلِالْتِفَات عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: لَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا اَلِانْصِرَافُ عَنْ اَلصَّلَاةِ وَقَطْعهَا، وَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ اِلْتِفَاتهمْ بِوُجُوهِهِمْ أَوْ بِقُلُوبِهِمْ، وَأَمَّا هَيْئَةُ اَلصَّلَاة اَلْمُجْزِئَةُ فَبَاقِيَة. ثُمَّ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اَلِانْفِضَاضَ وَقَعَ فِي اَلصَّلَاةِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ فِيمَا مَضَى
(1) الجمعة: 11
(2)
(2/ 13)، ك الجمعة، ب إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنْ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ، رقم (936).
(3)
هو: أبو عبد الرحمن، محمد بن فضيل بن غزوان بن جرير الضبي مولاهم الكوفي، الإمام الصدوق الحافظ، من علماء الحديث، وكان ممن قرأ القرآن على حمزة الزيات، صنف: كتاب الدعاء، وكتاب الزهد، وكتاب الصيام، وغيرها. توفي سنة 195 هـ.
[يُنظر: سير أعلام النبلاء، (9/ 173). و: تهذيب الكمال، (26/ 293)].
(4)
وهو قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)} [الجمعة: 11]
أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ فِي اَلْخُطْبَةِ (1)، فَلَوْ كَانَ كَمَا قِيلَ لَمَا وَقَعَ هَذَا اَلْإِنْكَارُ اَلشَّدِيدُ، فَإِنَّ اَلِالْتِفَاتَ فِيهَا لَا يُنَافِي اَلِاسْتِمَاع، وَقَدْ غَفَلَ قَائِلُهُ عَنْ بَقِيَّةِ أَلْفَاظِ اَلْخَبَرِ» (2).
تحليل الاستدراك:
استدرك صاحب (الفتح) الخطأ في فهم ظاهر لفظ (الالتفات)، الناشئ من عدم مراعاة سياق الحديث، وعدمِ دلالة الآية التي نزلت في هذا الشأن.
ثالثًا: الاستدراك على تأويل نص فقيه، وتطبيقاته.
النموذج الأول:
قرر في (المجموع) أن لبعض الشافعية وجهًا في نية الصلاة وهو: أن ينوي بالقلب ويتلفظ باللسان، وقال:«وقال صاحب (الحاوي) هو قول أبي عبد الله الزبيري (3) أنه لا يجزئه حتى يجمع بين نية القلب وتلفظ اللسان؛ لأن الشافعي رحمه الله قال في الحج: إذا نوى حجًّا أو عمرة أجزأ وإن لم يتلفظ، وليس كالصلاة لا تصح إلا بالنطق. قال أصحابنا: غلط هذا القائل، وليس مراد الشافعي بالنطق في الصلاة هذا بل مراده التكبير، ولو تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه لم تنعقد صلاته بالإجماع فيه. كذا نقل أصحابنا بالإجماع فيه» (4).
(1) حيث قال ابن حجر: «وَقَوْلُهُ «فِي اَلصَّلَاةِ» أَيْ فِي اَلْخُطْبَةِ مَثَلًا وَهُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ اَلشَّيْءِ بِمَا قَارَبَهُ، فَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ اَلرِّوَايَتَيْنِ». [فتح الباري، (3/ 350)].
ويقصد بالرواية الثانية الرواية التي فيها «يخطب» . تُراجع الرواية في: [نفس المرجع، نفس الجزء والصفحة].
(2)
فتح الباري، (3/ 350).
(3)
هو: أبو عبد الله، الزبير بن أحمد بن سليمان، القرشي الأسدي الزبيري البصري، شيخ الشافعية الضرير، صاحب وجه في المذهب، له مصنفات منها: الكافي، والمسكت. توفي سنة 317 هـ.
[يُنظر: سير أعلام النبلاء، (15/ 57). و: طبقات الشافعية، (1/ 93)].
(4)
…
(3/ 169).
تحليل الاستدراك:
وقع الخطأ في تأويل لفظ (النطق) في قول الشافعي، حيث فُسر بأنه النطق بالنية، ولكن رُدّ هذا التأويل بأن المراد به التكبير.
النموذج الثاني:
رُوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى بالناس المغرب فلم يقرأ فيها، فلما انصرف قيل له: ما قرأت. قال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسنا. قال: «فلا بأس» (1).
قال صاحب (التنبيه على مبادئ التوجيه): «وقد تأول المالكية ذلك على أنه أعاد. وهذا بعيد؛ لأنه يبطل معنى سؤاله عن الركوع والسجود. وتأوله الشافعية على أنه ترك الجهر ولم يترك القراءة جملة (2)، وهذا أقرب من التأويل الأول» (3).
تحليل الاستدراك:
استدرك صاحب (التنبيه) على المالكية تأويلهم قول عمر رضي الله عنه بالإعادة؛ لأنه تأويل لا ينسجم مع معطيات النص، إذ لو أنه أعاد لما كان لسؤاله عن تمام ركوعه وسجوده معنى!
(1) الأثر في: معرفة السنن والآثار، أحمد بن الحسين البيهقي، (3/ 327، 328)، ك الصلاة، ب نسيان القراءة، رقم (4782، 4789).
(2)
وللشافعية تأويل آخر وهو أنه محمول على ترك القراءة غير الواجبة. [يُنظر: السنن الكبرى، البيهقي، (2/ 347)، ك الصلاة، ب من سها عن القراءة، رقم (4028)].
(3)
ابن بشير، قسم العبادات - تحقيق/ بلحسان، (1/ 407).