الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: أثر الاستدراك الفقهي على التصنيف، وتطبيقاته
.
وتحصّلت لي الصور التالية لهذا الأثر:
- تولد مجالات بحثية في التصنيف.
ذلك أن الاستدراكات المتبادلة بين الاتجاهات الفقهية دعتْ المصنفين إلى التأليف للمُقاربة بين الاتجاهات، أو للمُحاجّة، أو لبيان مدارك الأقوال.
وقد خَلصَ صاحب (الاتجاهات الفقهية) إلى أن التأليف في مختلف الحديث ومشكل الآثار والناسخ والمنسوخ ونحو ذلك كان من نتائج المناقشات والاستدراكات بين أهل الرأي وأهل الأثر، فقال: «وكما كان التأليف في علوم الحديث نتيجة الخصومة بين المحدثين وغيرهم، كان ظهور المؤلفات في التصحيف وفي مختلف الحديث ومشكله وناسخه ومنسوخه من نتائج هذه الخصومة أيضًا، كل ذلك ليكون لدى طالب الحديث ثقافة تجمع إلى الرواية الوعي والدراية، فلا يجد مهاجموهم ثغرة ينفذون منها إليهم. فيؤلف الشافعي في اختلاف الحديث، وابن قتيبة (1) في مشكل الحديث كتابه (تأويل مختلف الحديث)، ويؤلف الطحاوي (2)
في اختلاف الحديث كتابه (شرح معاني الآثار)،
…
كما يؤلف كتابه (مشكل الآثار) ويجيء بعض العلماء إلى الأحاديث الموهمة
(1) هو: أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الدينوري، وقيل: المروزي، الكاتب، العلامة، نزل بغداد، وصنف وجمع، وبعد صيته. وقد ولي قضاء الدينور، وكان رأسا في علم اللسان العربي، والأخبار وأيام الناس. له: غريب القرآن، وغريب الحديث، وأدب القاضي، والرد على من يقول بخلق القرآن، وغيرها. توفي سنة 276 هـ.
[يُنظر: تاريخ بغداد، (10/ 170). و: سير أعلام النبلاء، (13/ 296)].
(2)
هو: أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة، الأزدي الحجري المصري الطحاوي الحنفي، الإمام الحافظ، محدث الديار المصرية وفقيهها. تفقه بالقاضي أحمد بن أبي عمران الحنفي، والقاضي أبي خازم، كان يقرأ على المزني وهو خاله، وكان يكثر النظر في كتب أبي حنيفة، وانتقل من عند المزني وتفقه في مذهب أبي حنيفة. له: اختلاف العلماء، ومعاني الآثار، وأحكام القرآن. توفي سنة 321 هـ
[يُنظر: سير أعلام النبلاء، (15/ 27). و: الفوائد البهية في تراجم الحنفية، (31)].
للتشبيه فيفردها بالتأليف، كما صنع أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك (1) في كتابه (مشكل الحديث وبيانه)
…
وكذلك ألف السيوطي كتابه (تأويل مختلف الأحاديث الموهمة للتشبيه). وإلى عهد قريب كانت الخصومة في الأحاديث المشكلة تدفع بعض الغيورين للتصدي لدفع اعتراضات العقلية الحديثة على بعض الروايات التي يظنونها مناقضة لبعض الحقائق العلمية من طبية وفلكية وغيرها» (2).
ذلك أن النظر إلى النص الشرعي من حيث العمل به هو مهمة الفقيه، وإن كان المحدّث يُساعد في توصيل النص الحديثي قبولاً أو تركًا، فهو يوصّل للفقيه ما يصلح أن يكون محلاًّ للنظر والاستنباط. (3)
ومن نتائج الاستدراكات الفقهية تأليف الكتب المهتمة بالخلاف لبيان مدارك الأقوال.
قال ابن خلدون، مبيّنا هذا الأثر، مع تطبيقات له: «وجرت بينهم (4) المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه، تجري على أصول صحيحة وطرائق قويمة، يحتج كل على صحة مذهبه
…
وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الأئمة، ومثارات اختلافهم، ومواقع اجتهادهم، كان هذا الصنف من العلم يسمى بالخلافيات
…
، وهو لعمري علم جليل الفائدة
…
وتآليف الحنفية والشافعية فيه أكثر من تآليف المالكية
…
(1) هو: أبو بكر، محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني، الأستاذ المتكلم الأصولي الأديب النحوي الواعظ، كان شديد الرد على أصحاب أبي عبد الله ابن كرام. أقام بالعراق مدة يدرس العلم، توجه إلى نيسابور بطلب من أهلها، وبنى بها مدرسة ودارا وأحيا الله تعالى به أنواعا من العلوم، ثم دُعي إلى غزنة وجرت له بها مناظرات كثيرة. بلغت مصنفاته في أصول الفقه والدين ومعاني القرآن قريبا من مائة مصنف. توفي سنة 406 هـ.
[يُنظر: سير أعلام النبلاء، (17/ 214). و: وفيات الأعيان، (4/ 272)].
(2)
(119).
(3)
يُنظر: إسلامية المعرفة، ع (39)، مفهوم نقد المتن بين النظر الفقهي والنظر الحديثي، عماد الدين الرشيد، (83 وما بعدها).
(4)
أي أتباع المذاهب الأربعة.
وللغزالي فيه كتاب (المآخذ)، ولأبي بكر العربي من المالكية كتاب (التلخيص) جلبه من المشرق، ولأبي زيد الدبوسي كتاب (التعليقة)، ولابن القصار من شيوخ المالكية (عيون الأدلة)، وقد جمع ابن الساعاتي (1) في (مختصره) في أصول الفقه جميع ما ينبني عليها من الفقه الخلافي، مدرجًا في كل مسألة ما ينبني عليها من الخلافيات» (2).
وقال عن الشافعية: «وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار، وعظمت مجالس المناظرات بينهم، وشُحنت كتب الخلافيات بأنواع استدلالاتهم» (3).
ومن نتائج الاستدراكات الفقهية أيضًا تأليف كتب الجدل تقنينًا وآدابًا.
وفي هذا المعنى يقول ابن خلدون: «فإنه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول مُتسِعًا، وكل واحد من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل عنانه في الاحتجاج،
ومنه ما يكون صوابًا ومنه ما يكون خطأً، فاحتاج الأئمة إلى أن يضعوا آدابًا وأحكامًا يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول، وكيف يكون حال المستدل والمجيب، وحيث يسوغ له أن يكون مستدلاًّ، وكيف يكون مخصومًا (4) منقطعًا، ومحل اعتراضه أو معارضته، وأين يجب عليه السكوت، ولخصمه الكلام والاستدلال» (5).
(1) هو: أحمد بن علي بن تغلب - أو ثعلب - ابن الساعاتي، مظفر الدين، عالم بفقه الحنفية، انتقل مع أبيه إلى بغداد فنشأ بها في المدرسة المستنصرية وتولى تدريس الحنفية المستنصرية، أبوه هو الذي عمل الساعات المشهورة على باب المستنصرية، له: مجمع البحرين وملتقى النيرين، وبديع النظام، الجامع بين كتابي البزدوي والإحكام، ونهاية الوصول إلى علم الأصول. توفي سنة 694 هـ
[يُنظر: الفوائد البهية في تراجم الحنفية، (26). و: الأعلام، (1/ 175)].
(2)
مقدمة ابن خلدون، (1/ 578).
(3)
السابق، (1/ 567).
(4)
نبّه المحقق أن الكلمة في نسخة أخرى «مخصومًا» بينما أثبتَ «مخصوصًا» ، ورجّحتُ ما أثبتُّه لمناسبته للسياق فيما يبدو لي. والله أعلم.
(5)
مقدمة ابن خلدون، (1/ 579).
- إصلاحُ نصوص المدونات، وتحقيق عزو الروايات، وعرض ما احتوته من الأقوال على الأصول والمقاصد لتقييمها قبولاً أو ردًّا.
ومن أمثلة ذلك صنعُ سحنون لما تلقى (الأسدية) عن أسد بن الفرات، فلاحظ فيها ضعف عزو رواياتها، واختلاط مسائلها، وعدم مقابلتها بأصول ابن القاسم التي سمعها من مالك، فرحل بـ (الأسدية) إلى ابن القاسم، فحقق نقولها، وعزو مسائلها (1).
ويبين ابن عاشور أثر السلوك النقدي والاستدراكي الذي سلكه اللخمي ومن تبعه في المذهب المالكي قائلاً: «وتكوّن بالإمام اللخمي الإمام أبو عبد الله المازري، فكان مع الحلبة التي عاصرته من الفقهاء الذين نستطيع أن نذكر منهم على سبيل المثال الواضح أربعة: وهم المازري وابن بشير وابن رشد الكبير والقاضي عياض. فهؤلاء هم الذين سلكوا طريقة جديدة في خدمة الحكم، هي الطريقة النقدية التي أسس منهجها أبو الحسن اللخمي، فصاروا في الفقه يتصرفون فيه تصرف تنقيح، وينتصبون في مختلف الأقوال انتصاب الحكم الذي يقضي بأن هذا مقبول وهذا ضعيف، وهذا غير مقبول، وهذا ضعيف السند في النقل، وهذا ضعيف النظر في الأصول، وهذا مغرق في النظر في الأصول، وهذا محرج للناس أو مشدد على الناس، إلى غير ذلك
…
فكان المذهب المالكي قد تكوّن بهؤلاء تكوّنًا جديدًا، إذ دخل عليه عنصر النقد والتنقيح والاختيار، وأصبحت الأقوال في كل مسألة مصنفة تصنيفًا تقديريًّا، منها ما هو أولى ومنها ما هو راجح، ومنها ما هو أصح إلى غير ذلك» (2).
وقد ميّزت كتب التنقيح والتحرير الروايات والفتاوى المعمول بها وغير المعمول بها، كتمييز الشافعية - مثلاً - بين مذهب الشافعي القديم والجديد، والضعيف والقوي من الآراء، والراجح والمرجوح، في حملة استدراكية نقّحتْ المدونات في الفقه الشافعي «فبعد ما يقرب من أربعة قرون (204 هـ - 604 هـ) على وفاة الإمام الشافعي - مؤسس المذهب - أصبحت مدونات فقه الشافعية كثيرة جدا، وقد أقام مصنفوها في بقاع
(1) مقدمة ابن خلدون، (1/ 569).
(2)
محاضرات، (73).
متباعدة
…
كان من الطبيعي أن يوجد في تلك المصنفات الفقهية الكثيرة في عددها، والمتفاوتة في أحجامها، والمدونة في أزمنة مختلفة خلال أربعة قرون متتالية لوفاة الإمام الشافعي سنة 204 هـ، أن يوجد فيها عدد غير قليل من التخريجات المخالفة لأصول المذهب، أو الاستنباطات المرجوحة، أو الاجتهادات الشاذة ونحو ذلك، فأصبحت الحاجة ملحّة للقيام بعملية تهذيب لتلك المصنفات الكثيرة، خاصة بعد استقرار المذهب الشافعي وصيرورته مذهبًا رئيسًا في بلاد المسلمين ومجتمعاتهم.
فبرز في أواخر القرن السادس الهجري الإمام عبد الكريم الرافعي (ولد سنة 557 هـ - توفي سنة 623 هـ)، ليقوم بجهد ضخم في تنقيح المذهب مهد به الطريق لجهود الإمام أبي زكريا النووي (ولد سنة 631 هـ - توفي سنة 676 هـ)» (1).
وفي (المدخل المفصل) بعد أن ذكر نماذج من ردّ ابن تيمية لبعض الأغاليط على مذهب الإمام أحمد قال: «وإن أَردت الديوان الجامع للتصحيح والتضعيف في المذهب وكشف الغلط؛ فعليك بكتاب خاتمة المذهب المرداوي: (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف)» (2).
- تمحور الجهود الفقهية حول كتب التحرير والاستدراكات، والاهتمام بآراء مؤلفيها.
ويمكن تطبيق ذلك على مؤلفات الغزالي في الفقه الشافعي، قال عنه صاحب (الحاوي):«وله في الفقه المؤلفات الجليلة، ومذهب الشافعي الآن مداره على كتبه، فإنه نقّح المذهب وحرره ولخصه في (البسيط) و (الوسيط) و (الوجيز) و (الخلاصة)، وكتب الشيخين (3) إنما هي مأخوذة من كتبه» (4).
(1) المدخل إلى مذهب الشافعي، (373).
(2)
…
(1/ 125).
(3)
هما الرافعي والنووي. [يُنظر: مصطلحات المذاهب الفقهية وأسرار الفقه المرموز، (236)].
(4)
الحاوي للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير والحديث والأصول والنحو والإعراب وسائر الفنون، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، (1/ 246).
- تجديد طريقة عرض المعلومة لتسهيل وصول الباحث إلى مبحثه.
أدرك صاحب (عقد الجواهر الثمينة) أهمية هذا الأثر، فكان باعثًا لتأليفه هذا الكتاب، فقال عن مذهب مالك: «ولا بلغني عنه أنه كره منه سوى تكريره وعدم ترتيبه، حتى اعتقد بعضهم أنه لا يمكن ترتيبه، بل يشق ويتعذر
…
فصرفهم عدم اعتناء أئمة المذهب بترتيبه عن استفادة ما اشتمل عليه من تحقيق المعاني النفيسة الدقيقة، واستنباط الأحكام الجارية على سنن السلف الصالح بأحسن طريقة، واستثارة الأسباب والحِكم التي هي على التحقيق عين الحقيقة، فكانوا كالمعرض عن المعاني النفيسة لمشقة فهمها، والمضرب عن الجواهر الثمينة لتكلف نظمها.
وقد استخرتُ الله تعالى، وشرعت في نظم المذهب بأسلوب يوافق مقاصدهم ورغباتهم، ويخالف ظنونهم فيه ومعتقداتهم، فحذفت التكرار الذي عيبوا أئمة المذهب إذ لم يحذفوه، وحللت النظام الذي كرهوه، ثم نظمته على ما جنحوا إليه وألفوه» (1).
ويُبيّن القرافيُّ أهمية هذا الأثر، وأنه الدافع لتأليفه (الذخيرة) بقوله: «وأنت تعلم أن الفقه - وإن جلَّ - إذا كان متفرقًا تبددت حكمته، وقلت طلاوته، وبعدت عن النفوس طلبته، وإذا رتبت الأحكام، مخرجة على قواعد الشرع، مبنية على مآخذها، نهضت الهمم حينئذٍ لاقتباسها، وأعجبت غاية الإعجاب بتقمص لباسها.
وقد آثرتُ أن أجمع بين الكتب الخمسة التي عكف عليها المالكيون شرقًا وغربًا، حتى لا يفوت أحدًا من الناس مطلبٌ، ولا يعوزه أرب، وهي:(المدونة) و (الجواهر) و (التلقين) و (الجلاب) و (الرسالة)، جمعًا مرتبًا، بحيث يستقر كل فرع في مركزه، ولا يوجد في غير حيزه، على قانون المناسبة في تأخير ما يتعين تأخيره، وتقديم ما يتعين تقديمه من الكتب والأبواب والفصول، متميزة الفروع، حتى إذا رأى الإنسان الفرع فإذا كان مقصودَه طالعه، وإلاّ أعرض عنه، فلا يضيع الزمان في غير مقصود» (2).
(1)(1/ 3 - 4).
(2)
الذخيرة، (1/ 36).