الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: تكميل النقص في الكيفية، وتطبيقاته
.
وهذا الجنس يكون في الهيئات، سواء هيئات المؤلّفات أو هيئات الأشخاص.
أما تكميل النقص في هيئات الأشخاص معناه تدارك النقص الذي يعرض للأشخاص في هيئاتهم السلوكية بإرشادهم إلى ما يكمل هذه الهيئات، ولا يختلف الكلام في الاستدراك عليها عما سبق تقريره في المطلب الموسوم بـ (أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار متعلّقه الفعلي، وتطبيقاتها)(1) فأكتفي به، وأُناقش هنا:
تكميل النقص في الكيفية باعتبار المؤلَّفات.
وتحصّل لي من مظاهره:
المظهر الأول: الترتيب.
وعُدَّ الترتيب من التكميل؛ لأن غير المُرتّب ناقص النفع، ويكتمل نفعه بالترتيب.
ويحدّثنا القرافي عن أهميته فيقول: «وأنت تعلم أن الفقه - وإن جل - إذا كان مفترقًا تبددت حكمته، وقلّت طلاوته، وبعدت عن النفوس طلبته، وإذا رتبت الأحكام مخرّجة على قواعد الشرع، مبنية على مآخذها، نهضت الهمم حينئذ لاقتباسها، وأعجبت غاية الإعجاب بتقمص لباسها» (2).
هذه الأهمية التي أبداها القرافي للتهذيب جعلها الدافع لتأليف كتابه (الذخيرة) حيث انتقد على المتقدمين عدم التهذيب فقال: «
…
فوجدتُ أخيار علمائنا رضي الله عنهم قد أتوا في كتبهم بالحِكم الفائقة، والألفاظ الرائقة، والمعاني الباهرة، والحجج القاهرة، غير أنهم يتبعون الفتاوي في غير مواطنها حيث كانت، ويتكلمون عليها أين وجدت، مع قطع النظر عن معاقد التبويب ونظام التهذيب، كشُراح (المدونة) وغيرها، ومنهم من سلك الترتيب البديع، وأجاد الصنيع، كالإمام العلامة كمال الدين صاحب (الجواهر الثمينة)» ثم قال مُبيّنًا عمله في الكتاب:
(1) وهو المطلب الثاني من المبحث الرابع في الفصل السابق.
(2)
الذخيرة، (1/ 36).
«وقد آثرتُ أن أجمع بين الكتب الخمسة
…
وهي (المدونة)(1) و (الجواهر)(2) و (التلقين)(3) و (الجلاب)(4) و (الرسالة)(5)، جمعًا مرتبًا بحيث يستقر كل فرع في مركزه، ولا يوجد في غير حيزه، على قانون المناسبة في تأخير ما يتعين تأخيره، وتقديم ما يتعين تقديمه من الكتب والأبواب والفصول، متميزة الفروع، حتى إذا رأى الإنسان الفرع فإن كان مقصوده طالعه وإلاّ أعرض عنه، فلا يضيع الزمان في غير مقصود» (6).
وفي (منهاج الطالبين) تصريح بهذا المظهر - أيضًا -: «وقد أُقدم بعض مسائل الفصل لمناسبةٍ أو اختصار، وربما قدمتُ فصلاً للمناسبة» (7). يعني على خلاف ترتيب (المحرّر).
من نص القرافي والنووي تبدو فوائد هذا المظهر الاستدراكي، وهي النشاط في مراجعة الفروع، وتسهيل مهمة الباحث عن الفرع، وحفظ الوقت، والحفاظ على التسلسل الفكري المنطقي في تدوين المسائل، وهذا الأخير يظهر في عبارة النووي «لمناسبة
…
»، وقول القرافي: «على قانون المناسبة
…
».
ويُضيفُ صاحب (عقد الجواهر الثمينة) فائدة لهذا المظهر وهي حفظ المذهب من الضياع، فقال: «أما بعد، فهذا كتاب بعثني على جمعه في مذهب عالم المدينة
…
ما رأيت عليه كثيرًا من المنتسبين إليه في زماننا من ترك الاشتغال به والإقبال على غيره، حتى لقد صار ذلك دأب كثير ممن يرى نفسه أو يُرى من المتميزين
…
ولم أستمع من أحد منهم، ولا بلغني عنه أنه كره منه سوى تكريره
(1) للإمام مالك بن أنس.
(2)
هو عقد الجواهر الثمينة لابن شاس.
(3)
لعبد الوهاب البغدادي.
(4)
يعني كتاب التفريع للجلاب.
(5)
لابن أبي زيد القيرواني.
(6)
الذخيرة، (1/ 35 - 36)
(7)
(1/ 75).
وعدم ترتيبه
…
فصرفهم عدمُ اعتناء أئمة المذهب بترتيبه عن استفادة ما اشتمل عليه من تحقيق المعاني النفيسة الدقيقة، واستنباط الأحكام الجارية على سنن السلف الصالح بأحسن طريقة
…
فكانوا كالمعرض عن المعاني النفيسة لمشقة فهمها، والمضرب عن الجواهر الثمينة لتكلف نظمها» (1).
تطبيقاته:
النموذج الأول:
كتب محمد بن الحسن، حيث جمع فيها شتات الفقه الحنفي، وهذّبه ورتبه (2).
النموذج الثاني:
ترتيب ابن شاس لمسائل المذهب المالكي في (عقد الجواهر الثمينة)، وقد تقدم كلامه قريبًا.
النموذج الثالث:
كتاب (خبايا الزوايا)، رتّب فيه بعض مسائل (شرح الرافعي للوجيز) و (الروضة) وقال:«وبعد فهذا كتاب عجيب وضعه، وغريب جمعه، ذكرت فيه المسائل التي ذكرها الإمامان الجليلان: أبو القاسم الرافعي في (شرحه للوجيز) وأبو زكريا النووي في (روضته) - تغمدهما الله برحمته - في غير مظنتها من الأبواب، فقد يعرض للفطن الكشف عن ذلك فلا يجده مذكورا في مظنته، فيظن خلو الكتابين عن ذلك وهو مذكور في مواضع أخر منها، فاعتنيت بتتبع ذلك فرددت كل شكل إلى شكله، وكل فرع إلى أصله، رجاء الثواب، وقصد التسهيل على الطلاب، مع أن الإحاطة بهذه العقود الثمينة متعينة؛ فإنها أحق من غيرها بالذكر كما ستراها - إن شاء الله تعالى - مبينة» (3).
(1) عقد الجواهر الثمينة - قسم التحقيق، (1/ 3).
(2)
يُنظر: المذهب الحنفي - مراحله وطبقاته، ضوابطه ومصطلحاته خصائصه ومؤلفاته، أحمد بن حمد بن نصير الدين النقيب، (1/ 113).
(3)
محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، (36).
المظهر الثاني: التبويب.
وهو تقسيم المصنَّف على أبواب وفصول، لتتميّز مسائل كل باب؛ ليُهتدى إليها في البحث بسهولة، ووقت أقل.
ومن تطبيقاته:
تبويب (مسند الإمام أحمد)، فإنه وإن آثر مصنفه ترتيبه على المسانيد - وهذا فيه نفع من الناحية الحديثية -، ولكن يكتمل النفع - فقهيًّا - منه بتبويبه على أبواب الفقه.
قال صاحب (الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني): «نعم! إن ترتيب (المسند) على مسانيد الصحابة كان مفيدًا في القديم
…
وكان الناس إذ ذاك لهم اعتناء شديد بحفظ الأحاديث، فكان الرجل يحفظ مسند الصحابي كما يحفظ السورة من القرآن
…
أما الآن - وقد صار اعتماد الناس على الضبط الكتابي - فقد وقف ذلك حائلاً دون الانتفاع بكتاب عظيم وأصل كبير
…
لا يصل إلى جواهر مكوناته إلا الحفاظ الأثبات من رجال الحديث» (1). إلى أن قال: «واستعنت بتوفيق الله - تعالى - ومعونته في تأليفه وتنقيحه وترتيبه» (2).
المظهر الثالث: التلقيب.
والتلقيب هو تصيير الباب أو الفصل أو المسألة ذا لقب.
والتلقيب من مكملات النفع من المادة العلمية، حيث تُعرَف به رؤوس المسائل لكل مجموعة من المادة العلمية، مما يُسهل مهمة الباحث عن مسألة، فيتوجه إليها مباشرة، بدلاً من مراجعة قدر كبير لا يمُتّ لبحثه بصلة.
(1)
…
مع بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، كلاهما لأحمد عبد الرحمن البنا المشهور بالساعاتي، (1/ 11 - 12).
(2)
السابق، (1/ 13).
ومن تطبيقاته:
تلقيب أبواب صحيح مسلم.
قال النووي عن (صحيح مسلم): «وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد، وبعضها ليس بجيد؛ إما لقصور في عبارة الترجمة، وإما لركاكة لفظها، وإما لغير ذلك، وأنا - إن شاء الله - أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق بها في مواطنها» (1).
فعملُ النووي هنا - ومن ذكر أنهم سبقوه - هو تلقيبُ الأبواب في (صحيح مسلم)، وقد ترك مسلمٌ تلقيب أبواب (صحيحه)، وإن كان قد رتّبه على أبواب، بحيث جمع أحاديث كل باب في موضع واحد.
المظهر الرابع: حذف المُكررات.
حيث يكتمل النفع من المؤلّف بحذف المُكرّر، لأنه يحفظ وقت الباحث من قراءة ما قد قرأه، فلا يضيع الوقت الكثير في تحصيلٍ قليل.
ومن تطبيقاته:
عمل ابن شاس في (الجواهر الثمينة) وقد سبق نصه وفيه: «ولم أستمع من أحد منهم، ولا بلغني عنه أنه كره منه سوى تكريره وعدم ترتيبه
…
» (2).
المظهر الخامس: حذف الزيادات غير المُتعلقة بالموضوع، أو غير المهمة فيه.
بمعنى أن العمل الفقهي السابق اشتمل على زيادات: بالنظر إليها منفردة هي نافعة، ولكن بالنظر إلى تعلقها بموضوع العمل فهي مُنقصة من الانتفاع به؛ لما فيها من تشتيت الذهن، بالانصراف عن مهمّ الموضوع إلى فرعيات لا تهم معرفتها لفهم الموضوع.
ومن تطبيقاته:
كتاب (تنقيح الفصول في علم الأصول)، أراد منه مؤلفه أن يُقدم أصول الفقه التي يحتاجها الفقيه، بحذف الزيادات الموجودة في كتب الأصول قبله مما لا يحتاجها،
(1) المنهاج شرح صحيح مسلم، (1/ 21).
(2)
عقد الجواهر الثمينة - قسم التحقيق، (1/ 3).
حيث قال: «بحيث إني لم أترك من هذه الكتب الأربعة (1) إلا المآخذ والتقسيم والشيء اليسير من مسائل الأصول، مما لا يكاد الفقيه يحتاجه» (2).
المظهر السادس: اختصارُ المُطوّلات.
والفرق بين هذا المظهر والذي قبله، هو أن الاختصار هنا قد يستلزم حذفًا أو إعادة صياغة، وفي كلا الأمرين فإن العمل المُستدرَك عليه لم يخرج عما وضع له، أما في المظهر السابق فهو لا يستلزم إعادة صياغة، بل يكتفي بحذف ما خرج عما وضع له المؤلَّف.
وهنا تبرز أهمية عمل منقحي ومهذّبي المذاهب، حيث اختصروا دواوين المذاهب، وجمعوها بعبارات وجيزة، فإنه لما كثرت الدواوين في المذهب الواحد وتشتتت فيها الفروع، احتِيج إلى مراجعة هذه الدواوين وجمعها وتلخيصها في مكان واحد.
قال د. محمد إبراهيم علي: «إن أمهات المذهب ودواوينه كثرت فيها التخاريج والآراء، وتعددت الاصطلاحات
…
ومن ثم كان لا بد من أن يقوم علماء المذهب (3) بمهمة الضبط، وتجديد التلخيص، والتهذيب، حتى تتحد الصور، وينسجم التعبير
…
» (4).
تطبيقاته:
النموذج الأول:
كتاب (التفريع)(5) عند المالكية.
(1) وهي التي اعتمدها في تأليفه، وهي: الإفادة للقاضي عبد الوهاب، والإشارة للباجي، وكلام ابن القصار في تعليقه في الخلاف، والمحصول لفخر الدين الرازي.
(2)
الذخيرة، (1/ 55).
(3)
يعني المذهب المالكي.
(4)
اصطلاح المذهب عند المالكية، محمد إبراهيم علي، (204).
(5)
لابن الجلاب البصري.
النموذج الثاني:
(الوجيز) للغزالي (2)، حيث قال الغزالي فيه:«فإن أنت تشمَّرتَ لمطالعتها (3)، وأدمنت مراجعتها، وتفطنت لرموزها ودقائقها، والمرعيّةِ في ترتيب مسائلها، اجتزأت بها عن مجلدات ثقيلة، فهي على التحقيق إذا تأملتها قصيرة عن طويلة، فكم من كلم كثيرة فضلَتْه كلمٌ قليلة» (4).
(1) اصطلاح المذهب عند المالكية، (204).
(2)
هو: أبو حَامِد مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ الطُّوْسِيّ، الشَّافِعِيّ، الغَزَّالِي، زَيْنُ الدّين، فيلسوف، متصوف، لَازمَ إِمَامَ الحَرَمَيْنِ، فَبَرع فِي الفِقْه فِي مُدَّة قَرِيْبَة، وَمَهَر فِي الكَلَامِ وَالجَدَل، حَتَّى صَارَ عينَ المنَاظرِيْنَ، وَأَعَادَ لِلطَّلبَة، تولي التدريس في نظامية بغداد. له: إحياء علوم الدين، وتهافت الفلاسفة، والمستصفى من علم الأصول، والبسيط والوسيط والوجيز. توفي سنة 505 هـ
[يُنظر: سير أعلام النبلاء، (19/ 322). و: طبقات الشافعية، (1/ 293). و: الأعلام، (7/ 22)].
(3)
يظهر من السياق أن ضمير الغيبة المؤنث يرجع إلى القواعد والفروع التي حواها الوجيز.
(4)
الوجيز في فقه الإمام الشافعي، محمد بن محمد بن محمد الغزالي، (1/ 107).
ويصف محمد الفاضل بن عاشور (1) عمل الغزالي في (وجيزه): «فالغزالي درس الفقه الشافعي على هذه الطريقة (2) في كتبه المبسوطة والمطوّلة
…
ثم بدا له بما
كان عنده من رأي في النقد المنهجي للطريقة التي يسير عليها الفقه - ولا سيما عند الشافعية وهي الطريقة الجدلية التي كانت روح الجدل فيها غالبة على روح الأصول - رأى بما عنده من نقد للطريقة الجدلية في كتاب (إحياء علوم الدين) أن سعة النقل في الفقه وتعبيد كثرة الأقوال أمر لما تبين أن تلك الأقوال مرتبة ترتيبًا تقديريا، وأن بعضها أولى به من أن يؤخذ به من بعض، فإن الأولى ألا نأخذ إلا بالأولى، وأن نختصر الفقه اختصارًا جديدًا نقتصر فيه على أخذ القول الراجح، أو القول المصحح من بين تلك الأقوال المختلفة في كل مسألة، فأخرج كتابه الذي لخصه من كتبه الأخرى، وهو كتاب (الوجيز)» (3).
النموذج الثالث:
كتاب (شرح الوجيز) قال عنه النووي: «وكانت مصنفات أصحابنا رحمهم الله في نهاية من الكثرة فصارت منتشرات، مع ما هي عليه من الاختلاف في الاختبارات، فصار لا يحقق المذهب من أجل ذلك إلا أفراد من الموفقين الغواصين المطلعين أصحاب الهمم العاليات، فوفق الله سبحانه وتعالى وله الحمد - من متأخري أصحابنا
(1) هو: محمد الفاضل بن محمد الطاهر ابن عاشور، أديب خطيب، مشارك في علوم الدين، من طلائع النهضة الحديثة النابهين في تونس، تخرج بالمعهد الزيتوني وأصبح أستاذا فيه فعميدا. وكان من أنشط أقرانه دؤوبا على مكافحة الاستعمار الذي كان يسمى (الحماية) وألقى محاضرات في الصربون (بفرنسة) وجامعة اسطنبول وجامعة عليكره في الهند. وشارك في ندوات علمية كثيرة وفي بعض مؤتمرات المستشرقين. وشغل خطة القضاء بتونس ثم منصب مفتي الجمهورية. وهو من أعضاء المجمع اللغوي بالقاهرة ورابطة العالم الإسلامي بمكة، من كتبه: أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي، والحركة الأدبية والفكرية في تونس، التفسير ورجاله. توفي سنة 1390 هـ.
[يُنظر: الأعلام، (6/ 325)].
(2)
وهي طريقة النقد والاختيار والتنقيح.
(3)
محاضرات، محمد الفاضل بن عاشور، (74).
من جمع هذه الطرق المختلفات، ونقح المذهب أحسن تنقيح، وجمع منتشره بعبارات وجيزات، وحوى جميع ما وقع له من الكتب المشهورات، وهو الإمام الجليل المبرز المتضلع من علم المذهب أبو القاسم الرافعي ذو التحقيقات، فأتى في كتاب (شرح الوجيز) بما لا كبير مزيد عليه من الاستيعاب مع الإيجاز والإتقان وإيضاح العبارات» (1).
المظهر السابع: تجويد نظم عبارة.
بمعنى أن يعرِض للعبارة نقصٌ في جودتها فلا تكون موصلة للمعنى بشكل جيد، إما لنقص وضوحها أو عدمه؛ لإبهام أو إغراب أو إيهام، أو لنقص في منظومها أو زيادة فيه.
وهذا المظهر مُصرّحٌ باستهدافه لدى المستدركين، ففي (منهاج الطالبين):«ومنها (2) إبدال ما كان من ألفاظه (3) غريبًا أو موهمًا خلاف الصواب بأوضح وأخصر منه بعبارات جليات» (4).
والاعتراض بتعقيد اللفظ وغموضه لا يُسلّمه الفقهاء لكل معترض، بل يقبلونه حينًا، ويرفضونه حينًا آخر، وفي هذا الشأن أحكي كلام ابن دقيق العيد (5) في ردّه على من اعترض على ابن الحاجب في (مختصره الفقهي) فقال: «فأما
(1) روضة الطالبين، يحيى بن شرف النووي، (1/ 112).
(2)
أي من الفوائد التي سماها «النفائس المستجادات» التي ضمنها كتابه.
(3)
أي ألفاظ كتاب (المحرر) للرافعي.
(4)
(1/ 76).
(5)
هو: أبو الفتح، محمد بن علي بن وهب بن مطيع، القشيري، تقي الدين، شيخ الإسلام، الحافظ، سمع الحديث من والده وأبي الحسن بن الجميزي الفقيه والمنذري الحافظ وجماعة، تفقه على والده وكان والده مالكيّا ثم تفقه على شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام فحقق المذهبين. له: الإمام في الحديث، والإلمام وشرحه، وشرح مختصر ابن الحاجب. توفي سنة 702 هـ.
[يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى، (9/ 207). و: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، (5/ 348)].
الاعتراض بالتعقيد والإغماض فربما كان سببه بعد الفهم، ويعد الذنب هناك للطرف لا للنجم، وإنما وضعت هذه المختصرات لقرائح غير قرائح وخواطر، إذا استسقيت كانت مواطر، وأذهان يتقد أوارها، وأفكار إذا رامت الغاية قصر مضمارها، فربما أخذها القاصر ذهنًا، فما فك لها لفظا ولا طرق معنى، فإن وقف هناك وسلّم سلم، وإن أنف بالنسبة إلى التقصير فأطلق لسانه أثم، وهو مخطئ في أول سلوك الطريق، وظالم لنفسه حيث حملها مالا تطيق، وسبيل هذه الطبقة أن تطلب المبسوطات التي تفردت في إيضاحها، وأبرزت معانيها سافرة عن نقابها مشهورة بغررها وأوضاحها، والحكيم من يقر الأمور في نصابها، ويعطي كل طبقة مالا يليق إلا بها» (1).
تطبيقاته:
النموذج الأول:
في (الفروق): «الفرق السادس والثلاثون بين قاعدة تصرفه عليه الصلاة والسلام بالإمامة
…
» إلى قوله: «ونحقق ذلك بأربع مسائل» . قال صاحب (إدرار الشروق): «قلتُ لم يجود التعريف بهذه المسائل، ولا أوضحها كل الإيضاح، والقول الذي يوضحها هو أن المتصرف في الحكم الشرعي إما أن يكون تصرفه فيه بتعريفه، وإما أن يكون بتنفيذه
…
». وشرح ذلك (2).
ففي (إدرار الشروق) استدراك على عبارة (الفروق) في التعريف بالفرق بين القاعدتين، ونقدها بأنها ناقصة الوضوح والجودة في توصيل الفرق، وتلافى ذلك النقص بعبارة أخرى.
(1) طبقات الشافعية الكبرى، (9/ 236).
(2)
مع الفروق وحاشية ابن حسين المالكي، (1/ 357 - 358).
النموذج الثاني:
جاء في (منهاج الطالبين): «ولو غصب أرضًا فنقل ترابَها أجبره المالك على ردّه أو ردّ مثله وإعادة الأرض كما كانت، وللناقل الردّ وإن لم يطالبه المالك إن كان له فيه غرض
…
» (1).
قال في (تحرير الفتاوي) مُستدركًا على عبارة (المنهاج): «وإن لم يُطالبه المالك» فقال: «لو قال: (وإن منعه المالك) لكان أحسن؛ فإن له الرد أيضًا مع المنع، صرح به في (المطلب) تبعًا للأصحاب، فتبقى حالة السكوت من طريق الأولى» (2).
النموذج الثالث:
جاء في (التنبيه): «إذا أراد الصلاة قام إليها بعد فراغ المؤذن من الإقامة» (3).
نكّت في (نكت النبيه) على قوله «بعد فراغ المؤذن» قائلاً: «لو قال: بعد فراغ الإقامة كان أجمع» (4).
المظهر الثامن: تدوين دلائل الفروع.
استدراكًا للنقص في تدوينها لدى مُدوّني فروع المذاهب، وهو نقص أدى إلى اتهام المذاهب بعدم المُدرَك لفروعها أو ضعفه، كما أدى إلى الانصراف عن التفقه في المدارك الأصلية للفروع، وبهذا المظهر الاستدراكي - أيضًا - يطمئن المُتبع لمذهب ما أن مذهبه على دليل.
ومن تطبيقاته:
كتاب (اللباب في الجمع بين السنة والكتاب)، حيث قال مؤلفه: «
…
وبعدُ: فإني لما رأيت أناسًا يأخذون منا ويسلبون علم الحديث عنا، ويجعلون ذلك عيبًا وطعنًا
…
وينسبون إلينا خاصة العمل بالقياس، ويظهرون ذلك بين الناس، ويصرحون بالرد علينا، ولا يكنون ولا يراقبون الله فيما يقولون، سلكت طريقًا يظهر بها حسدهم وبغيهم
…
وذكرت الأحاديث التي تمسك بها أصحابنا في مسائل الخلاف، وسلكت
(1)(2/ 213 - 214).
(2)
من كتاب البيوع إلى آخر كتاب الغصب، تحقيق: حنان الحازمي، (3/ 1005).
(3)
التنبيه في الفقه الشافعي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، (1/ 30).
(4)
من أول الكتاب إلى نهاية كتاب الجنائز، تحقيق: صالح بن سرحان القرشي، (219).
فيها سبيل الإنصاف، وعزيت الأحاديث إلى من خرجها، وأوردت من طرقها أوضحها وأبهجها؛ ليظهر لمن نظر فيها وأنصف أننا أكثر الناس انقيادًا لكتاب الله تعالى، وأشد اتباعًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم» (1).
المظهر التاسع: تدوين الفقه المقارن.
لما اشتغل أهل المذاهب بكتب مذاهبهم، فنقحوها، وخصّوا الفروع بمصنفات تُنتقى فيها الأقوال المُعتمدة والمُصحّحة ويُطّرح ما سواها، واجهَ هذا الأسلوب في التصنيف أسلوبٌ آخر، رأى أن في هذا تضييقًا لمجال الفقه بعد أن كان للناس فيه سعة، فأُلّف في مواجهة هذا المصنفات الحاوية للأقوال مع مداركها.
ومن تطبيقاته:
يعرض لنا ابن عاشور هذا الأمر، مستثمرًا دوافع التأليف لكل من (بداية المجتهد) لابن رشد في مقابل (الوجيز) للغزالي.
ويذكر أن ابن رشد الحفيد وقف أمام مسلك الغزالي في (الوجيز) فقال: «وجاء ابن رشد يلاحظ أن الطريقة التي درج عليها الغزالي إنما تكون متجهة إلى إعداد شيء كثير من الفقه، وإلى تضييق المجال في تكوين الفقهاء، حتى تقتل فيهم
(1) علي بن زكريا بن مسعود المنبجي، (1/ 37).
(2)
محاضرات، (75).
ملكة النظر، ويضيق الأفق أمام أنظارهم، فلا يتكون منهم الفقيه الذي يستطيع أن يعالج الحوادث بحق، بصورة يمكن أن تأخذ من أقوال المتقدمين، أو من التخريج على أصولهم ما يكون كفيلاً بتحقيق الحكم الشرعي المناسب للمصالح التي أمر الله تعالى بمراعاتها في تلك الجزئيات.
فوضع ابن رشد في آخر القرن السادس - تحديًا للغزالي - كتابه المشهور (بداية المجتهد ونهاية المقتصد)» (1).
(1) السابق، (75 - 76).