الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول: الاستدراك على الاجتهاد في الدليل، وتطبيقاته
.
المقصود بالدليل هنا هو مطلق معتمَد الحكم، المدلول عليه بأنه «ما يُمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري» (1).
والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في اعتماد دليل، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
ويمكن تقسيم الاستدراك على الاجتهاد في الدليل إلى نوعين:
1 -
الاستدراك على الاجتهاد في الدليل الإجمالي.
2 -
الاستدراك على الاجتهاد في الدليل التفصيلي.
المسألة الأولى: الاستدراك على الاجتهاد في الدليل الإجمالي، وتطبيقاته
.
والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في اعتماد دليل كلي، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
وفائدته هي أن الاستدراك على اعتماد الاستنباط من دليل كلي ينسحب على جزئيات الاستدلال به، وبالتالي يكفي مؤنة تتبع هذه الجزئيات.
وفي المشهد الفقهي استدراكات على الاجتهاد في الأدلة الإجمالية، بدءًا ببعض مباحث الإجماع، ونقاشات القياس بين الظاهرية وغيرهم، وكذا عمل أهل المدينة وما جرّ تحته من العمل القطري، والاستحسان، والاستصلاح
…
استفاضت النقاشات فيها في المصنفات الأصولية والفقهية.
ومن ناحية أخرى في هذا السياق استدرك كثير من الفقهاء على من اتخذ نصوص الأئمة دليلاً بمثابة النص الشرعي وهو يقدر على النظر، فسجلوا إنكارهم على هذه الطريقة.
(1) جمع الجوامع لابن السبكي، بشرح المحلي وحاشية العطار، (1/ 167)، شرح الكوكب المنير، (1/ 52).
من هؤلاء العز بن عبد السلام (1) حيث قال: «ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مَأخذ إمامه، بحيث لا يجد لضعفه مَدفعًا، وهو مع ذلك يقلّده فيه، ويترك من شهد الكتابُ والسنةُ والأقيسةُ الصحيحة لمذهبه؛ جمودًا على تقليد إمامه، بل يتحيَّل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالاً عن مقلّده» (2).
وقال (صاحب الفكر السامي): «فصار (مختصر خليل) بوقتنا وعند أهل جيلنا المنحط قائمًا مقام الكتاب والسنة، مع أن الذي يفهم (خليلاً) (3) ويحصله ويقدر على أخذ الأحكام الصحيحة منه لا شك عندي لو توجه لكتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمرن عليهما لكان قادرًا على أخذ الأحكام منهما» (4).
وقد صرّح فقهاءُ باستهداف الاجتهاد في الأدلة بالاستدراك، ففي (التنقيح في شرح الوسيط) جاء من مقاصد تأليفه: «التاسع: بيان الأحاديث، صحيحها وحسنها، وضعيفها ومنكرها وشاذها وموضوعها ومقلوبها والمُصحَّف منها، والمُغيَّر لفظه،
…
والوسيط (5) مشتمل على هذا كله» (6).
(1) هو: عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم، السلمي، الدمشقي، عز الدين، شيخ الإسلام، وسلطان العلماء، فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد، له مواقف مشهودة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تفقه على ابن عساكر والآمدي وغيرهما، روى عنه تلامذته ابن دقيق العيد وعلاء الدين الباجي وابن الفركاح. تولى الخطابة والتدريس بزاوية الغزالي، ثم الخطابة بالجامع الأموي، له: الإلمام في أدلة الأحكام، وقواعد الأحكام في إصلاح الأنام، والتفسير الكبير. توفي سنة 660 هـ.
[يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى، (8/ 209). و: الأعلام، (4/ 21)].
(2)
قواعد الأحكام، (2/ 274 - 275). وكرر الاستدراك على ذلك في موضع آخر، يُنظر:(1/ 277)، منه، عند قوله: «فما أفسد أحوال طلاب العلم إلا
…
».
(3)
يعني مُختصر خليل.
(4)
(4/ 247).
(5)
للغزالي.
(6)
النووي، (1/ 79). المطبوع مع الوسيط ومجموعة.
تطبيقاته:
النموذج الأول:
رسالة الليث (1) إلى مالك، ومحصلها أن مالكًا أراد جمع الكلمة على عمل أهل المدينة وحديث أهل الحجاز لقوته، ولكن استدرك عليه الليث هذا الرأي بأن ما عليه أهل كل بلد هو حجة له وأصل (2).
وهي رسالة مطوّلة ومما جاء فيها: «وأنه بلغك أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وإني يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد من قِبَلي على ما أفتيتُهم به» ، وذكر له أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتشروا في البلاد، وأفتوا فيها، واختلفوا في الفتيا، ولم يُنكر عليهم الخلفاء يومئذ: أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وقال:«فلا نراه يجوز للأجناد المسلمين أن يُحدثوا اليوم أمرًا لم يعمل به سلفهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم حين ذهب العلماء وبقي منهم من لا يُشبه من مضى» وذكر له مسائل عمل بها الصحابة على غير المُفتى به في المدينة (3).
(1) هو: أبو الحارث، الليث بن سعد بن عبد الرحمن، الفهمي، مولاهم الأصبهاني الأصل المصري، الإمام الحافظ شيخ الإسلام، وعالم الديار المصرية. سمع: عطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة، وابن شهاب الزهري، وقتادة، وخلقا كثيرا، حتى إنه يروي عن تلامذته، روى عنه خلق كثير، منهم ابن عجلان شيخه، وابن لهيعة، وابن وهب، وابن المبارك، والقعنبي، ويحيى بن يحيى الليثي. وكان كبير الديار المصرية وعالمها الأنبل، حتى إن نائب مصر وقاضيها من تحت أوامره، وإذا رابه من أحد منهم أمر كاتب فيه الخليفة فيعزله، وقد طلب منه المنصور أن يعمل نيابة الملك فامتنع. كان الشافعي يتأسف على فواته، وكان يقول: هو أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، توفي سنة 175 هـ. [يُنظر: تاريخ بغداد، (13/ 3). و: سير أعلام النبلاء، (8/ 136، وما بعدها). و: تذكرة الحفاظ، (1/ 224، وما بعدها)].
(2)
بتصرف من الفكر السامي، (2/ 154).
(3)
يُنظر الرسالة بتمامها مع رد الإمام مالك عليها في: كتاب المعرفة والتاريخ، يعقوب بن سفيان البسوي، (1/ 687 - 697)
تحليل الاستدراك:
الدليل الكلي المستدرك عليه هنا هو عمل أهل المدينة، حيث يستدرك الليث على مالك في اعتماده المطلق، بجعله دليلاً مطلقًا على أهل المدينة وغيرهم من دون تفصيل.
النموذج الثاني:
استدراك المقري (1)
على الاعتماد على مفهومات (المدونة) بجعلها دليلاً حيث قال: «إياك ومفهومات (المدونة)؛ فقد اختلف الناس في القول بمفهوم الكتاب والسنة، فما ظنك بكلام الناس؟ ! إلا أن يكون من باب المساواة أو الأولى، وبالجملة إياك ومفهوم المخالفة في غير كلام صاحب الشرع» (2).
تحليل الاستدراك:
الدليل الكلي المستدرك عليه هنا هو مفهوم المخالفة لألفاظ (المدونة)، حيث يستدرك المقري على بعض المالكية اعتمادَها في الاستنباط، ويحذر منه.
(1) هو: أبو عبد الله، محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر، القرشي التلمساني، الشهير بالمقري، باحث، من الفقهاء الأدباء المتصوفين. من علماء المالكية، وهو جد المؤرخ الأديب صاحب نفح الطيب. أخذ عن أعلام منهم: الأبلي والمجاصي وابن عبد السلام، وأخذ عنه جماعة منهم: الإمام الشاطبي، ولسان الدين بن الخطيب وابن خلدون. له مصنفات، منها: القواعد، والحقائق والرقائق، والتحف والطرف. وله نظم جيد، توفي سنة 758 هـ
[يُنظر: شجرة النور الزكية، (1/ 232). و: الأعلام، (7/ 37)].
(2)
المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل أفريقية والأندلس والمغرب، أحمد بن يحيى الونشريسي، (6/ 377).