الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الهدف من هذا الفصل هو تقرير منهجية الاستدراك الفقهي، بتأصيله منهجًا مشروعًا دلَّت عليه نصوص الكتاب والسنة والقواعد الكلية والمبادئ العقلية العامة، وليس الهدفُ حصرَ النصوص والقواعد في ذلك. كما لا يدخل في المبحث البحثُ في استعمال هذا اللفظ في نصوص الوحيين.
المبحث الأول: أصول الاستدراك الفقهي من الكتاب
.
أكتفي في هذا المبحث بنص عام وبنص خاص في التأصيل للاستدراك الفقهي من الكتاب:
المطلب الأول: تأصيل الاستدراك الفقهي من الكتاب بنص عام
.
وردت نصوص عامة (1) يُستفاد منها تأصيل الاستدراك الفقهي منهجًا مشروعًا، يكفي نص واحد منها في التأصيل.
قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (2).
ووجه الاستدلال بالآية على مشروعية الاستدراك الفقهي يأتي تقريره من وجوه:
(1) منها:
(2)
المائدة: 2.
الوجه الأول: تقرير معنى البر والتقوى في الآية.
جاء في (تفسير الطبري) في معناها: «وليعن بعضكم بعضًا أيها المؤمنون على {الْبِرِّ} وهو العمل بما أمر الله بالعمل به، {وَالتَّقْوَى} هو اتقاء ما أمر الله باتقائه واجتنابه من معاصيه» (1). وقال في تفسير قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} (2): «اختلف أهل التأويل في معنى (البر) الذي كان المخاطبون بهذه الآية يَأمرون الناسَ به، وينسَوْن أنفسهم، بعد إجماع جميعهم على أن كل طاعة لله فهي تسمى برًّا» (3).
الوجه الثاني: تقرير عموم لفظتي (البر) و (التقوى):
فهما اسمان مفردان مُحَلَّيان بـ (أل) لغير العهد، وهي من صيغ العموم على الصحيح عند المحققين من الأصوليين (4)، قال محمد الأمين الشنقيطي (5):
«ومن قال إن
(1) تفسير الطبري، (8/ 52).
(2)
البقرة: 44.
(3)
تفسير الطبري، (1/ 613). ويُنظر: المفردات في غريب القرآن، (40).
(4)
اختُلف في المسألة عند الأصوليين، فالحنفية والمالكية والحنابلة والمشهور عند الشافعية أنها تفيد العموم. يُنظر: فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، عبد العلي محمد بن نظام الدين اللكنوي، (1/ 245). و: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول، أحمد بن إدريس القرافي، (168 - 169). و: البدر الطالع للمحلي مع حاشية العطار، (2/ 7). و: روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، (179).
(5)
هو: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر، الجكني الشنقيطي، يُلقب بـ (آبّا)، أخذ العلم في بلاد شنقيط، بدءًا من بيت أخواله، ودرس المذهب المالكي، حيث إنه هو المذهب السائد في تلك البلاد، له شعر جيد، ولكنه ترك نظمه في عنفوان شبابه، وفي منتصف عام 1367 هـ بدأ رحلته للحج، وقيد أحداث تلك السفرة وما فيها من علوم المعقول والمنقول، واستقر في المدينة وعين مدرسا بالمسجد النبوي، ثم اختير للتدريس في معاهد الرياض لما افتتحت، وتولى تدريس التفسير والأصول، ثم اختير للتدريس في الجامعة الإسلامية لما افتتحت بالمدينة.
من مؤلفاته: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، آداب البحث والمناظرة، مذكرة في أصول الفقه. توفي مرجعه من الحج سنة 1393 هـ.
[يُنظر: تتمة أضواء البيان، عطية محمد سالم، (ملحق في نهاية الجزء العاشر). و: قسم الدراسة من نثر الورود، تحقيق وإكمال ودراسة/ محمد ولد سيدي الشنقيطي، (1/ 17)].
المفرد المعرف بأل لا يعم يرد عليه بقوله تعالى {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} (1)، إذ لو لم يعم كل إنسان لما استثني منه:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} الآية» (2). وعلى تقرير صحة القاعدة ينبني فهم ألفاظ القرآن التي جاءت بهذه الصيغة. قال السعدي (3): «القاعدة الثالثة: الألف واللام الداخلة على الأوصاف وأسماء الأجناس تفيد الاستغراق بحسب ما دخلت عليه. وقد نص على ذلك أهل الأصول وأهل العربية، واتفق على اعتبار ذلك أهل العلم والإيمان» (4).
الوجه الثالث: تقرير أن الاستدراك الفقهي من البر والتقوى:
أما كونه من البر فلأنه مما أمر الله - تعالى - به، ذلك أن الله فرض على أهل العلم بيانَه، قال تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} (5)،
(1) العصر: (1 - 3).
(2)
مذكرة في أصول الفقه، محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، (198).
(3)
هو: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر آل سعدي، التميمي. العلامة، المفسر الأصولي النحوي، أخذ عن محمد العبد الكريم الشبل، ومحمد الأمين محمود الشنقيطي، وصالح بن عثان آل قاضي وهو أكثرهم ملازمة، وعن غيرهم، وأخذ عنه جلة، منهم: إبراهيم العلي الخويطر، وحمد بن إبراهيم القاضي، عبد العزيز بن عبد الله السبيل، محمد بن صالح بن عثيمين.
له: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الدلائل القرآنية في العلوم العصرية، القول السديد في مقاصد التوحيد، وله فتاوى جمعت بعد وفاته. وله أنظام وشعر. توفي سنة 1376 هـ.
[يُنظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون، عبد الله بن عبد الرحمن البسام، (3/ 218)].
(4)
القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، (19).
(5)
آل عمران: 187.
والاستدراك سبيل من سبل تبيين العلم، فهو داخل فيه على سبيل التضمن (1)، لأن تصحيح الخطأ نوع من بيان العلم، ورفع الإشكال نوع من بيان العلم، وقُلْ مثل ذلك في باقي أغراض الاستدراك (2).
وأما كونه من التقوى، فلأن العالِم بتراجعه عن بيان الحق واقعٌ فيما نهى الله عنه (3)، لأن أمْرَه بالتبيين يقتضي نهيَه عن نقيضه (4)، وهو عدم التبيين، مشيًا على القاعدة المقررة في علم الأصول (5).
الوجه الرابع: تقرير أن الاستدراك الفقهي من التعاون.
فالأمر بالتعاون على البر والتقوى يقتضي تلاقي الجهود في العمل الصالح، والاستدراك الفقهي هو من هذا التعاون؛ لأن الإنسان لا يسلم من خلل؛ فيسده عنه أخوه، فيكون بحاجة إلى جُهد إضافي لإخراج العمل بيِّنًا مُقَوَّمًا نافعًا، وكذا الحال في الأعمال الفقهية.
(1) دلالة التضمن هي: فهم السامع من كلام المتكلم جزء المسمى. [شرح تنقيح الفصول، (22). ويُنظر: المستصفى من علم الأصول، محمد بن محمد بن محمد الغزالي، (1/ 48). و: الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، (1/ 14)].
(2)
وخُصص لها الفصل السادس من هذا الباب بعنوان: أغراض الاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها.
(3)
والمقصود عند توفر شروط ذلك وانتفاء الموانع.
(4)
النقيضان: هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان كوجود زيد وعدمه. [شرح مختصر الروضة، سليمان بن عبد القوي الطوفي، (2/ 383). ويُنظر: معيار العلم في فن المنطق، (80). و: شرح القويسي على متن السلم مع تقريرات الدوري، (27)].
(5)
يُنظر: المحصول، (1/ 246). و: نهاية السول للإسنوي مع حاشيته سلم الوصول للمطيعي، (2/ 305). و: شرح الكوكب المنير، (3/ 51).