الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة [3]: إن صالح عن المُنْكِر أجنبي
؟
• مذهب الحنابلة أنه يصح الصلح، سواء كان مصدقًا للمدَّعي، أم لا، وسواء كان بإذن المُنكِر، أم لا.
• ومذهب الشافعية أنه يصح إذا كان الأجنبي مصدقًا للمدعي، وهذا الذي قالوا بناءً على ما اختاروه أنَّ الصلح لا يكون إلا بعد ثبوت الحق، والصحيح قول الحنابلة، وهو مقتضى قول الجمهور.
ثم إنْ كان الأجنبي قد صالح عن المنكر بغير إذنه؛ لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه أدَّى عنه ما لا يلزمه أداؤه، وأما إذا صالح عنه بإذنه؛ رجع عليه، وإن أدَّى عنه بإذنه، أو بغير إذنه متبرِّعًا؛ لم يرجع بشيء، وإن قضاه محتسبًا بالرجوع فوجهان للحنابلة، والصحيح أنه لا يلزم المنكر أن يعطيه؛ لأنه ليس لازمًا على المنكر ذلك، بل الواجب عليه هو اليمين، والله أعلم.
(1)
مسألة [4]: إن صالح الأجنبي المدعي؛ لتكون المطالبة لنفسه
؟
أما إذا لم يعترف الأجنبي للمدعي بصحة دعواه؛ فلا يصح الصلح، ويكون باطلًا؛ لأنه يشتري منه مالم يثبت له، أشبه ما لو اشترى من إنسان ملك غيره.
وأما إذا اعترف له بصحة دعواه؛ فلا يخلو من أن يكون المدَّعَى مالًا، أوعينًا؛ فإن كان المدَّعَى مالًا؛ فلا يصح الصلح؛ لأنه يشتري منه مالا يقدر على تسليمه،
(1)
انظر: «المغني» (7/ 8 - 9)«الإنصاف» (5/ 219 - 220)«البيان» (5/ 249).
ولأنه يصبح بيع مال بمال مع عدم التقابض، وذلك غير جائزٍ.
وإن كان المدَّعَى عينًا، وادَّعى أنه قادر على إخراجها؛ صحَّ الصلح، ثم إن قدر على انتزاعه؛ صح الصلح واستقر، وإن عجز؛ كان له ا لفسخ، ويحتمل أن الصلح يكون فاسدًا بدون فسخ؛ لأنه تبين أنَّ الصلح كان على ما لا يقدر على تسليمه.
(1)
ثانيًا: الصلح على الإقرار.
وصورته: أن يدعي إنسان على آخر أن عنده له مسجل مثلًا، فيعترف له بذلك، ثم يصالحه على أن يعطيه ألفي ريال مثلًا، أو يكون له عليه عشرة آلاف، فيعترف بها، ويصالحه على خمسة آلاف.
فهذه الصورة إن كان بشرط من المدَّعى عليه، كأن يقول: لا أقر لك بالعشرة آلاف إلا أن تصالحني على خمسة. فلا نعلم أحدًا أجاز هذه الصورة، بل هذا ظلمٌ، وأكل مال بالباطل.
وأما إذا كان الوضع من المدَّعِي بدون شرط من المدَّعَى عليه؛ فهذا جائزٌ، وقد نُقِلَ على جوازه الاتفاق، والواقع أنه قد خالف جماعة من الحنابلة في ذلك إذا وقع ذلك على أنه صلح، وقالوا: فيه هضم لصاحب الحق؛ لأنه قد اعترف له بحقه؛ فلزمه ما أقر به، فإذا بذل له دونه فقد هضمه حقه.
وردَّ عليهم ابن القيم رحمه الله، فقال: هذا ليس فيه هضم، وإنما الهضم أن يقول:
(1)
انظر: «المغني» (7/ 10)«الإنصاف» (5/ 220).
لا أقرُّ لك حتى تهب لي كذا، وتضع عني كذا، وأما إذا أقر له، ثم صالحه ببعضه، فأي هضم هناك. اهـ
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (7/ 12): فأما في الاعتراف فإذا اعترف بشيء وقضاه من جنسه فهو وفاء، وإن قضاه من غير جنسه فهي معاوضة، وإن أبرأه من بعضه اختيارًا منه واستوفى الباقي؛ فهو إبراء، وإن وهب له بعض العين وأخذ باقيها بطيب نفس؛ فهي هبة، فلا يسمي ذلك صلحًا ونحو ذلك، قال ابن أبي موسى: وسماه القاضي وأصحابه صلحًا. وهو قول الشافعي وغيره، والخلاف في التسمية، أما المعنى فمتفق عليه وهو فعل ما عدا وفاء الحق وإسقاطه على وجه يصح، وذلك ثلاثة أقسام: معاوضة، وإبراء، وهبة. اهـ
قلتُ: أما إذا عاوضه بشيءٍ آخر فيراعى في صحته ما يراعى في البيوع، فيفسد بما تفسد به البيوع، فمثلًا: لو كان له عليه دنانير فاعترف له بها، وصالحه على دراهم؛ فلا يجوز التفرق حتى يقبضها، أو كان له عليه دينٌ، فصالحه على أن يعطيه شيئًا موصوفًا في ذمته، فلا يجوز؛ لأنه بيع دين بدين
(1)
…
، وهكذا فقس عليه.
وأما الإبراء والهبة فاشترط جماعة من الحنابلة والشافعية أن لا يخرج ذلك مخرج الشرط، كأن يقول: أبرأتك من نصف الدين على أن تعطيني الآن ما بقي.
(1)
هذا التمثيل على مذهب الجمهور، وقد نقل إجماعًا، والصحيح جوازه، أجازه شيخ الإسلام وابن القيم رحمة الله عليهما، وقد تقدم الكلام على ذلك تحت حديث (832).