الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإسحاق، وابن المنذر، وهو مقتضى قول أبي حنيفة.
• وللشافعي قول بالمنع من ذلك؛ لأنه جمع بين بيع، وصرف.
• وقال مالك: إذا كانت الدراهم يسيرة جاز.
قلتُ: والقول بالجواز هو الصحيح؛ ولا دليل يمنع من الجمع بين شراء شيئين بثمن واحد، ولكن يشترط أن يبين ثمن السلعة، وثمن الفضة؛ حتى لا يحصل الغرر والجهالة، والله أعلم.
(1)
مسألة [3]: بيع الحلي المصنع بجنسه من الدنانير، أو الفضة هل يجوز فيه التفاضل، أم لا
؟
• جمهور العلماء على عدم جواز ذلك؛ لعموم الأدلة في تحريم التفاضل في بيع الذهب بعضه ببعض، أو الفضة بعضها ببعض، وهو يشمل ما كان مضروبًا، أو مصبوغًا، أو تبرًا، واستدلوا أيضًا بحديث القلادة الذي في هذا الباب. وهذا ترجيح الإمام ابن باز مع غيره من هيئة كبار العلماء، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين أيضًا.
وقد جاء هذا القول عن ابن عمر رضي الله عنهما، أخرجه مالك في «الموطإ» (2/ 633)، ومن طريقه عبد الرزاق (8/ 125)، عن حميد بن قيس، عن مجاهد، أنَّ صائغًا سأل ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب، ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي؟ فنهاه عبد الله عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة، وعبد الله ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد، أو
(1)
انظر: «الأوسط» (10/ 190).
إلى دابة يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله بن عمر: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا، وعهدنا إليكم. اهـ وإسناده صحيح.
• وذهب شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما إلى جواز ذلك، وقال المرداوي في «الإنصاف»: وعليه عمل الناس اليوم. وتوسَّع ابن القيم في الدفاع عن ذلك في «أعلام الموقعين» (2/ 139 - 145).
قال ابن القيم رحمه الله: فَالْعَاقِلُ لَا يَبِيعُ هَذِهِ يعني الحلي المصنعة بِوَزْنِهَا مِنْ جِنْسِهَا؛ فَإِنَّهُ سَفَهٌ، وَإِضَاعَةٌ لِلصَّنْعَةِ.
قال: فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِجِنْسِهَا أَلْبَتَّةَ، بَلْ يَبِيعُهَا بِجِنْسٍ آخَرَ، وَفِي هَذَا مِنْ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ وَالْمَشَقَّةِ مَا تَتَّقِيهِ الشَّرِيعَةُ
…
، وَإِمَّا أَنْ يَجُوزُ بَيْعُهَا كَمَا تُبَاعُ السِّلَعُ مُتَفَاضِلَة. اهـ
والجواب عن هذا: أنَّ هذا نظر واستحسان في مقابلة النص، وهو حديث فضالة ابن عبيد المتقدم مع أثر ابن عمر رضي الله عنهما.
قال ابن القيم رحمه الله: الْحُلِي صَارَ بِالصِّنْعَة مِنْ جِنْسِ الثِّيَابِ، لَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، وَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ، فَلَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَثْمَانِ كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَبَيْنَ سَائِرِ السِّلَعِ. اهـ
والجواب عن هذا أن يقال: إنَّ الأدلة كثيرة في تحريم التفاضل بين الذهب عمومًا، فقصره على ما كان أثمانًا يحتاج إلى دليل، بل يعكس استدلاله ويقال:
حديث فضالة رضي الله عنه يدل على أنَّ العلة ليست مقصورة بالثمنية، بل العلة بالثمنية، أو بكونه ذهبًا وفضًة، وقد تقدم الكلام على تحرير العلة في هذه المسالة.
وقوله رحمه الله: (ولهذا لم تجب فيه الزكاة) استدلال منه بما فيه نزاع، بل بمحل النزاع؛ فإنَّ المخالف يقول: هو ذهب؛ فيلزم فيه الزكاة.
قال رحمه الله: وربا الفضل إنما حرم سدًّا للذريعة، فيباح للحاجة.
والجواب عن هذا: أنْ يقال: لو سلمنا أنَّ ربا الفضل كما قيل (حُرِّمَ سدًّا للذريعة فيباح؛ للحاجة)، فنقول: الحاجة إذا لم يعتبرها الشرع فكيف لنا أن نعتبرها؛ فالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعتبر ذلك في حديث القلادة، واعتبر الحاجة في العرايا، فنحن نعتبرها كذلك في العرايا.
قال رحمه الله: فإن قيل: الصفات لا تقابل بالزيادة؛ ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة الجيدة بأكثر منها من الرديئة، وبيع التمر الجيد بأزيد منه من الرديء، وَلَمَّا أبطل الشارع ذلك عُلِم أنه منع من مقابلة الصفات بالزيادة. قيل: الفرق بين الصنعة التي هي أثر فعل الآدمي، وتقابل بالأثمان، ويستحق عليها الأجرة، وبين الصفة التي هي مخلوقة لله لا أثر للعبد فيها ولا هي من صنعته. اهـ
والجواب عنه أن يقال له: أولًا: يُحتاج إلى دليل لبيان أنَّ هذا التفريق معتبر عند الشارع في تحريم الربا.
ثانيًا: ينتقض قوله في بيع الدراهم، والدنانير المضروبة إذا بيعت بالسبائك،
وقد أجاب عن هذا الاعتراض بأنَّ الدراهم المضروبة من صنع السلطان لمصلحة الناس عامة، وذلك من صنع آدمي لمصلحة نفسه، وهذا التفريق أيضًا يحتاج إلى دليل على اعتباره في الشرع، والأدلة الواردة في تحريم بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة عامة ترد هذا التفصيل.
وقد أقرَّ بذلك ابن القيم رحمه الله، لكنه قال: ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي.
ويجاب عنه: بأنه لا قياس في مقابلة النص، وهو حديث القلادة.
وقد ذكر ابن القيم بعض الحجج الأخرى، والذي ذكرناه هو أقوى ما ذُكر، وبالله التوفيق.
قال الإمام العثيمين رحمه الله كما في «مجموع دروس وفتاوى الحرم المكي» (3/ 196): وأما ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله، وتلميذه ابن القيم في جواز أخذ الزيادة في مقابلة الصنعة؛ فإنه قول ضعيف فيما نرى؛ لأنه قياس في مقابلة النص. اهـ
(1)
فائدة: نقل عن الإمام مالك أنه جوَّز بيع الدراهم والدنانير المضروبة بأكثر من وزنها ذهبًا وفضةً، وأنكر جماعة من أصحابه صحة ذلك عن مالك، ونفوه عنه.
ومنع من ذلك عمر بن عبد العزيز، والشافعي، وابن المنذر. وهو الصحيح.
(2)
(1)
انظر: «المغني» (6/ 60)، «الإنصاف» (5/ 6)، «الاختيارات» (ص 127)، «أعلام الموقعين» (2/ 140 - )، «تكملة المجموع» (10/ 83 - 86)، «الأوسط» (10/ 197 - ).
(2)
انظر: «المغني» (6/ 60)، «الأوسط» (10/ 197 - ).