الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَيْ: تَرَكَهُ مَالِكُهُ (لِرَبِّ الْأَرْضِ) الْمُنْتَقِلِ إلَيْهَا (مِمَّا مَرَّ) مِنْ زَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ أَوْ نَوًى وَنَحْوِهِ؛ (فَلَا شَيْءَ) - أَيْ: أُجْرَةَ عَلَيْهِ - أَيْ التَّارِكِ لِذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَقْلُهُ؛ (لِحُصُولِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ) وَلَا عُدْوَانِهِ (وَإِنْ شَاءَ مَحْمُولٌ إلَيْهِ) الْغَرْسُ؛ (أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ) بِقِيمَتِهِ، (أَوْ قَلَعَهُ) ، وَضَمِنَ نَقْصَهُ؛ لِأَنَّ الْخِيَرَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
[فَصْلٌ مُسْتَعِيرٌ فِي اسْتِيفَاءِ نَفْعٍ مِنْ عَيْنِ مُعَارَةٍ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ]
(فَصْلٌ: وَمُسْتَعِيرٌ فِي اسْتِيفَاءِ نَفْعٍ) مِنْ عَيْنِ مُعَارَةٍ (بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ) كَمُسْتَأْجِرٍ، [فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ] ؛ لِمِلْكِهِ التَّصَرُّفَ فِيهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا، فَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا؛ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ أَخَفُّ، وَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِلزَّرْعِ [لَمْ يَغْرِسْ وَلَمْ يَبْنِ؛ لِأَنَّهُمَا أَكْثَرُ ضَرَرًا، وَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِلْغَرْسِ] أَوْ الْبِنَاءِ؛ فَلَيْسَ لَهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا يَخْتَلِفُ، وَكَمُسْتَأْجِرٍ أَيْضًا فِي أَنَّهُ (يَمْلِكُ) اسْتِيفَاءَ نَفْعٍ بِعَيْنِهِ، وَ (مِثْلُهُ) - أَيْ: النَّفْعِ - (ضَرَرًا فَمَا دُونَ) النَّفْعِ فِي الضَّرَرِ مِنْ نَوْعِهِ، فَإِذَا أَعَارَهُ لِزَرْعِ الْبُرِّ فَلَهُ زَرْعُهُ وَزَرْعُ الشَّعِيرِ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ، [لَا] مَا فَوْقَهُ ضَرَرًا كَدُخْنٍ وَذُرَةٍ، وَإِذَا أَعَارَهُ لِلرُّكُوبِ لَمْ يَحْمِلْ، وَعَكْسُهُ، وَكَذَا إنْ أَذِنَ لَهُ فِي زَرْعِ مَرَّةٍ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي غَرْسِ شَجَرَةٍ فَانْقَلَعَتْ لَمْ يَمْلِكْ غَرْسَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ اخْتَصَّ بِشَيْءٍ لَمْ يُجَاوِزْهُ، فَإِنْ زَرَعَ أَوْ غَرَسَ أَوْ بَنَى مَا لَيْسَ لَهُ زَرْعُهُ أَوْ غَرْسُهُ أَوْ بِنَاؤُهُ فَكَغَاصِبٍ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ. (وَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا) - أَيْ: الْإِعَارَةِ - (تَعْيِينُ نَوْعِ الِانْتِفَاعِ) ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ؛ فَلَا أَثَرَ لِلْجَهَالَةِ فِيهِ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ قَطْعِهَا بِالْفَسْخِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ. (فَلَوْ أُعِيرَ) عَيْنًا (مُطْلَقًا) ؛ بِأَنْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ صِفَةَ الِانْتِفَاعِ بِهَا؛ (مَلَكَ) الْمُسْتَعِيرُ (الِانْتِفَاعَ بِهَا) بِالْمَعْرُوفِ (فِي كُلِّ مَا صَلَحَتْ لَهُ عُرْفًا؛ كَأَرْضٍ) مَثَلًا (تَصْلُحُ لِغَرْسٍ وَزَرْعٍ وَبِنَاءٍ وَغَيْرِهِ) ؛ فَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي أَيِّ ذَلِكَ أَرَادَ. (وَ) مَا كَانَ غَيْرَ صَالِحٍ لَهُ وَإِنَّمَا يَصْلُحُ لِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ (كَثَوْبٍ لِلُبْسٍ وَبِسَاطٍ لِفَرْشٍ) ؛
فَالْإِطْلَاقُ فِيهِ كَالتَّقْيِيدِ؛ لِتَعْيِينِ نَوْعِ الِانْتِفَاعِ بِالْعُرْفِ، فَيُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ اسْتِنْسَاخُ الْكِتَابِ الْمُعَارِ، وَلَهُ دَفْعُ الْخَاتَمِ الْمُعَارِ إلَى مَنْ يَنْقُشُ لَهُ عَلَى مِثَالِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ وَاقِعَةٌ لَهُ؛ فَهُوَ كَالْوَكِيلِ.
(وَاسْتِعَارَةُ دَابَّةٍ لِرُكُوبٍ لَا يُسْتَفَادُ سَفَرٌ بِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا فِيهِ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لِلرُّكُوبِ لَيْسَ لَهُ السَّفَرُ (إلَّا) إذَا كَانَ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ (فِي قُرًى صَغِيرَةٍ) عُرْفًا، لِعَدَمِ اعْتِيَادِهِمْ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ أَهَالِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى الْكَبِيرَةِ؛ فَإِنَّهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ لَا يَسَعُهُمْ الْإِمْسَاكُ عَنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ؛ إذْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَكَانَ دَوَابُّهُمْ مَحَلًّا لِكُلِّ مُحْتَاجٍ، فَيَكْثُرُ الضَّرَرُ، وَحِينَئِذٍ (فَيُسَافِرُ) مِنْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ (بِهَا) - أَيْ: بِالدَّابَّةِ الَّتِي اسْتَعَارَهَا لِلرُّكُوبِ - (لِقُرًى حَوَالَيْهَا لَا)، [أَيْ: لَيْسَ لَهُ السَّفَرُ بِهَا] لِمَحَلٍّ (بَعِيدٍ عُرْفًا) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي ذَلِكَ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا يُعِيرُ مُسْتَعِيرٌ وَلَا يُؤَجِّرُ) الْمُعَارَ، وَلَا يَرْهَنَهُ (إلَّا بِإِذْنٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُبِيحَهَا، وَلَا أَنْ يَبِيعَهَا، بِخِلَافِ مُسْتَأْجِرٍ، وَتَقَدَّمَ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَا يُودِعُهُ، وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ،
وَلَهُ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ انْتَهَى.
وَلَا يَضْمَنُ مُسْتَأْجِرٌ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ مَعَ الْإِذْنِ مِنْ الْمُعِيرِ إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ عِنْدَهُ بِلَا تَفْرِيطٍ؛ كَالْمُسْتَأْجِرِ مِنْ رَبِّهَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ.
وَإِذَا آجَرَ الْمُسْتَعِيرُ بِإِذْنِ الْمُعِيرُ الْعَارِيَّة؛ فَالْأُجْرَةُ لِرَبِّهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَمَّا يَمْلِكُهُ مِنْ الْمَنَافِعِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ، (فَإِنْ خَالَفَ) الْمُسْتَعِيرُ بِأَنْ أَعَارَهُ بِلَا إذْنِ الْمُعِيرِ، (فَتَلِفَتْ) الْعَارِيَّةُ (عِنْدَ) الْمُسْتَعِيرِ [الثَّانِي] ؛ (ضَمِنَ) رَبُّ الْعَيْنِ الْقِيمَةَ وَالْمَنْفَعَةَ (أَيَّهُمَا شَاءَ)، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ سَلَّطَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ عَلَى أَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّطَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ دَابَّةً فَأَكَلَتْهُ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ فَاتَا عَلَى مَالِكِهِمَا فِي يَدِهِ، (وَالْقَرَارُ) فِي ضَمَانِهِمَا (عَلَى الثَّانِي) ؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَوْفِي لِلْمَنْفَعَةِ بِدُونِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَتَلَفُ الْعَيْنِ إنَّمَا حَصَلَ تَحْتَ يَدِهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ (إنْ عَلِمَ) الثَّانِي بِالْحَالِ؛ أَيْ: بِأَنَّ لِلْعَيْنِ مَالِكًا لَمْ يَأْذَنْ فِي إعَارَتِهَا، وَكَذَا لَوْ أَجَّرَهَا بِلَا إذْنِهِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ الثَّانِي عَالِمًا بِالْحَالِ، بَلْ ظَنَّهَا مِلْكَ الْمُعِيرِ لَهُ؛ (ضَمِنَ الْعَيْنَ) فَقَطْ (فِي عَارِيَّةٍ) - أَيْ: فِيمَا تُضْمَنُ فِيهِ - لِدُخُولِهِ عَلَى ضَمَانِهَا، بِخِلَافِ مَا لَا تُضْمَنُ فِيهِ؛ كَأَنْ تَلِفَتْ فِيمَا أُعِيرَتْ لَهُ، أَوْ أَرْكَبَهَا مُنْقَطِعًا، وَلَمْ تَزُلْ يَدُهُ عَنْهَا؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ الْمُعِيرُ مَالِكًا، فَكَذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُعِيرَ مُسْتَعِيرٌ.
(وَيَسْتَقِرُّ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى) الْمُسْتَعِيرِ (الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الثَّانِيَ بِدَفْعِهَا لَهُ، عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَنَافِعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَعَكْسُ ذَلِكَ لَوْ أَجَّرَهَا لِجَاهِلٍ بِالْحَالِ؛ فَيَسْتَقِرُّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ، وَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانُ الْعَيْنِ. (وَالْعَوَارِيُّ الْمَقْبُوضَةُ مَضْمُونَةٌ مُطْلَقًا) فَرَّطَ أَوْ لَا، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ.
عَنْ سَمُرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَلِحَدِيثِ صَفْوَانَ الْمُتَقَدِّمِ.
وَأَشَارَ أَحْمَدُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَارِيَّةُ الْوَدِيعَةِ، بِأَنَّ الْعَارِيَّةَ أَخَذَتْهَا الْيَدُ الْوَدِيعَةُ دُفِعَتْ إلَيْكَ، وَلِأَنَّهُ أَخْذُ مِلْكِ غَيْرِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا بِنَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَلَا إذْنٍ فِي إتْلَافٍ، فَكَانَ مَضْمُونًا كَالْغَصْبِ، وَقَاسَهُ
فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " عَلَى الْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ، فَيَضْمَنُهَا الْمُسْتَعِيرُ (بِقِيمَةِ مُتَقَوِّمٍ يَوْمَ تَلِفَ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ فَوَاتُ الْعَارِيَّةِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الضَّمَانِ بِهِ؛ إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِيَوْمِ التَّلَفِ وَقْتُهُ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا، (وَمِثْلُ مِثْلَيْهِ) ؛ كَصَنْجَةٍ مِنْ نُحَاسٍ لَا صِنَاعَةَ بِهَا اسْتَعَارَهَا لِيَزِنَ بِهَا، فَتَلِفَتْ؛ فَعَلَيْهِ مِثْلُ وَزْنِهَا مِنْ نَوْعِهَا؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهَا فِي الْقِيمَةِ.
(وَلَوْ شُرِطَ عَدَمُ ضَمَانِهَا) فَيَلْغُو الشَّرْطُ، وَلَا يَسْقُطُ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ لَمْ يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ؛ كَالْمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ أَمَانَةً لَا يَزُولُ عَنْ حُكْمِهِ بِشَرْطِ ضَمَانِهِ كَالْوَدِيعَةِ وَالرَّهْنِ، أَوْ كَانَ مَضْمُونًا لَا يَزُولُ عَنْ حُكْمِهِ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ خِلَافِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَاسِدٌ، (لَكِنْ لَا يَضْمَنُ مَوْقُوفٌ) عَلَى جِهَةِ بِرٍّ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْمَوْقُوفَ لَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ (عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ) كَالْفُقَرَاءِ، أَمَّا إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ مُسْتَعِيرٌ كَالطَّلْقِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (كَكُتُبِ عِلْمٍ وَسِلَاحٍ) مَوْقُوفٌ عَلَى (غُزَاةٍ) إذَا اسْتَعَارَهَا لِيَنْظُرَ فِيهَا أَوْ لِيَلْبِسَهَا عِنْدَ قِتَالِ الْكُفَّارِ، فَتَلِفَتْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ؛ لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُسْتَعِيرُ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَلَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ ضَمَانِهَا، لِكَوْنِ قَبْضِهَا عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ الْمُسْتَعِيرُ بِنَفْعِهِ؛ لِكَوْنِ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمِهِ وَالْغَزْوِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، أَوْ لِكَوْنِ الْمِلْكِ فِيهِ لَيْسَ لِمُعَيَّنٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ [مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحَقِّينَ لَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَقَطَتْ قَنْطَرَةٌ مَوْقُوفَةٌ بِسَبَبِ مَشْيِهِ عَلَيْهَا.
انْتَهَى.
قَالَ فِي " شَرَحَ الْإِقْنَاعِ " وَفِي التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ، وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ وَقْفًا عَلَى مُعَيَّنٍ، وَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ مُسْتَعِيرُهُ كَالطَّلْقِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَمْ أَرَهُ انْتَهَى.
قُلْتُ: مَا بَحَثَهُ شَارِحُ " الْإِقْنَاعِ " يُؤَيِّدُ هَذَا الِاتِّجَاهَ، وَإِنْ اسْتَعَارَ الْكُتُبَ الْمَوْقُوفَةَ وَنَحْوَهَا بِرَهْنٍ وَتَلِفَتْ؛ رَدَّ الرَّهْنَ إلَى رَبِّهِ، وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي
الرَّهْنِ لَا يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ، فَيَرُدُّ الرَّهْنَ لِرَبِّهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ فَرَّطَ لِفَسَادِهِ، وَيَضْمَنُ الْمُسْتَعِيرُ مَا تَلِفَ مِنْهَا بِتَفْرِيطِهِ أَوْ تَعَدِّيهِ؛ (كَحَيَوَانٍ مُوصَى بِنَفْعِهِ) تَلِفَ بَعْدَ قَبْضِهِ (عِنْدَ مُوصٍ لَهُ) ؛ فَلَا يَضْمَنُهُ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ مُسْتَحَقٌّ لِقَابِضِهِ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ:«أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَرْوِيهِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَعَمْرٌو وَعُبَيْدٌ ضَعِيفَانِ قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ؛ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ضَمَانِ الْأَجْزَاءِ التَّالِفَةِ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَإِنْ كَانَ تَخْصِيصًا فَلِمَا عَارَضَهُ مِنْ الْأَخْبَارِ الْمُخَصِّصَةِ لَهُ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمُغِلَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَيْسَ بِمَأْخُوذٍ مِنْ الْجِنَايَةِ وَالْغُلُولِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ اسْتِغْلَالِ الْغَلَّةِ، يُقَالُ هَذَا غَلٌّ فَهُوَ مُغِلٌّ إذَا أَخَذَ الْغَلَّةَ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْخَبَرِ، لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُتَنَقِّلِ أَيْ: غَيْرَ الْقَابِضِ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَبْضِ يَصِيرُ مُسْتَغِلًّا، وَمُرَادُهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُعِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلْعَيْنِ الْمُعَارَةِ، فَإِنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَضْمَنُهَا بِتَلَفِهَا عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطَ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وَكَذَا) - أَيْ كَكُتُبِ الْعِلْمِ وَالسِّلَاحِ وَالْحَيَوَانِ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ فِي الْحُكْمِ - حُكْمُ (عَوَارٍ غَيْرِ مَنْقُولَةٍ؛ كَعَقَارٍ) مِنْ دَارٍ وَنَحْوِهَا (خُسِفَ) ؛ أَيْ: ذَهَبَ فِي الْأَرْضِ، وَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ خَسْفًا؛ أَيْ: غَابَ بِهِ فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى:{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ} [القصص: 81] وَخَسَفَ هُوَ فِي الْأَرْض، وَخَسَفَ بِهِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، (أَوْ هُدِمَ بِنَحْوِ صَاعِقَةٍ) كَمَطَرٍ وَبَرَدٍ وَثَلْجٍ (أَوْ زَلْزَلَةٍ أَوْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ) ؛ فَلَا يَضْمَنُ مَنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ؛ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ أَرْكَبَ) إنْسَانٌ (دَابَّتَهُ) شَخْصًا (مُنْقَطِعًا لِلَّهِ) تَعَالَى؛ (فَتَلِفَتْ) الدَّابَّةُ (تَحْتَهُ) - أَيْ: الْمُنْقَطِعِ - (وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِحِفْظِهَا؛ لَمْ يَضْمَنْ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
جَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الطَّالِبُ لِرُكُوبِهِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ (كَرَدِيفِ رَبِّهَا) ؛ أَيْ: الدَّابَّةِ؛ بِأَنْ أَرْكَبَ مَعَهُ آخَرَ عَلَى الدَّابَّةِ، فَتَلِفَتْ تَحْتِهِمَا؛ لَمْ يَضْمَنْ الرَّدِيفُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ بِيَدِ مَالِكِهَا، (وَكَرَائِضٍ) وَهُوَ الَّذِي يَرْكَبُ الدَّابَّةَ لِيُعَلِّمَهَا السَّيْرَ إذَا تَلِفَتْ تَحْتَهُ؛ لَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، (وَكَوَكِيلٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَعِيرٍ، (وَكَتَغْطِيَةِ ضَيْفِهِ بِلِحَافٍ فَاحْتَرَقَ عَلَيْهِ) ؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمُنْقَطِعِ) كَمَا لَوْ أَرْكَبَهَا لِشَخْصٍ تَوَدُّدًا؛ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِحِفْظِهَا، فَتَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنْقَطِعِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلطَّلَبِ، وَإِنَّمَا أَرْكَبَهُ الْمَالِكُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ قَالَ) لِرَبِّ الدَّابَّةِ: (لَا أَرْكَبُ إلَّا بِأُجْرَةٍ، فَقَالَ) لَهُ رَبُّهَا (مَا آخُذُ أُجْرَةً) - وَلَا عَقْدَ بَيْنَهُمَا - وَأَخَذَهَا؛ فَهِيَ عَارِيَّةٌ تَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الْعَارِيَّةِ؛ لِأَنَّ رَبَّهَا لَمْ يَبْذُلْهَا إلَّا كَذَلِكَ، (أَوْ اسْتَعْمَلَ مُودَعٌ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ رَبِّهَا فَهِيَ عَارِيَّةٌ) ، فَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ ذَلِكَ.
(وَلَا يَضْمَنُ) مُسْتَعِيرٌ (وَلَدَ عَارِيَّةٍ سُلِّمَ مَعَهَا) بِتَلَفِهِ عِنْدَهُ (بِلَا تَفْرِيطٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِعَارَةِ، وَلَا فَائِدَةَ لِلْمُسْتَعِيرِ فِيهِ؛ أَشْبَهَ الْوَدِيعَةَ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَمْلَ وَقْتَ عَقْدٍ مَبِيعٍ؛ فَعَلَيْهِ هُنَا يَكُونُ مُعَارًا، قُلْتُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْعَقْدَ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْعَيْنِ؛ بِخِلَافِ الْعَارِيَّةِ فَإِنَّهُ عَلَى الْمَنَافِعِ؛ وَلَا مَنْفَعَةَ لِلْحَمْلِ يُرَدُّ عَلَيْهَا الْعَقْدُ.
(وَلَا) يَضْمَنُ مُسْتَعِيرٌ (زِيَادَةً مُتَّصِلَةٍ حَصَلَتْ) - أَيْ: حَدَثَتْ فِي مُعَارَةٍ (عِنْدَهُ) ، ثُمَّ تَلِفَتْ؛ لِعَدَمِ وُرُودِ عَقْدِ الْعَارِيَّةِ عَلَيْهَا، (وَيَضْمَنُ) مُسْتَعِيرٌ (زِيَادَةً) كَانَتْ مَوْجُودَةً (عِنْدَ عَقْدٍ؛ كَسِمَنٍ زَالَ عِنْدَ مُسْتَعِيرٍ) ؛ لِتَلَفِهِ تَحْتَ يَدِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: إنْ لَمْ تَذْهَبْ فِي الِاسْتِعْمَالِ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ.
وَ (لَا) يَضْمَنُ مُسْتَعِيرٌ (إنْ بَلِيَتْ هِيَ) - أَيْ: الْعَارِيَّة - (أَوْ) بَلِيَ (جُزْؤُهَا بِاسْتِعْمَالِهَا بِمَعْرُوفٍ) كَخَمْلِ مِنْشَفَةٍ وَطِنْفَسَةٍ بِكِسْرَتَيْنِ فِي اللُّغَةِ الْعَالِيَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: ابْنُ السِّكِّيتِ، وَفِي لُغَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَهِيَ بِسَاطٌ لَهُ خَمْلٌ رَقِيقٌ (فِيمَا اُسْتُعِيرَتْ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الِاسْتِعْمَالِ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ فِي الْإِتْلَافِ الْحَاصِلِ بِهِ، وَمَا أُذِنَ فِي إتْلَافِهِ لَا يُضْمَنُ؛ كَالْمَنَافِعِ.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: فَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَتْ فِي الِانْتِفَاعِ بِالْمَعْرُوفِ؛ فَلَا ضَمَانَ. قَالَ فِي حَاشِيَةِ " الْإِقْنَاعِ ": فِي التَّفْرِيعِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا مَاتَتْ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا بِهِ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِيمَنْ أَرْكَبَ دَابَّتَهُ مُنْقَطِعًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَضْمَنُ إذْ أُتْلِفَتْ تَحْتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا، (فَإِنْ حَمَلَ) الْمُسْتَعِيرُ (فِي الْقَمِيصِ تُرَابًا) ، فَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ، (أَوْ) حَمَلَ فِيهِ (قُطْنًا) ، فَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ، (أَوْ اسْتَظَلَّ بِالْبِسَاطِ مِنْ الشَّمْسِ) ، فَتَلِفَ؛ (ضَمِنَ؛ لِتَعَدِّيهِ) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ مَا اسْتَعَارَهُ فِي غَيْرِ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ مِثْلُهُ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُسْتَعِيرٍ بِيَمِينِهِ فِي عَدَمِ تَعَدِّيهِ) الِاسْتِعْمَالَ الْمَعْهُودَ بِالْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ.
(وَيَجِبُ) عَلَى الْمُسْتَعِيرِ (رَدُّ) الْعَارِيَّة (بِطَلَبِ مَالِكٍ) لَهُ بِالرَّدِّ، وَلَوْ لَمْ يَنْقَضِ غَرَضُهُ مِنْهَا، أَوْ يَمْضِي الْوَقْتُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ هُوَ الْمُسَلِّطُ لِحَبْسِ الْعَيْنِ - وَقَدْ انْقَطَعَ بِالطَّلَبِ - وَيَجِبُ الرَّدُّ أَيْضًا (بِانْقِضَاءِ غَرَضٍ) مِنْ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْحَبْسِ - وَقَدْ زَالَ - (أَوْ انْتِهَاءِ مُدَّةٍ) إنْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ مُؤَقَّتَةً؛ لِانْتِهَائِهَا، (أَوْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا) - أَيْ: الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ - لِبُطْلَانِ الْعَارِيَّةِ بِذَلِكَ؛
لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، (فَإِنْ أَخَّرَ) الْمُسْتَعِيرُ الرَّدَّ فِيمَا ذَكَرَ فَتَلِفَتْ الْعَارِيَّةُ؛ (ضَمِنَ) قِيمَتَهَا (مَعَ أُجْرَةِ مِثْلِهَا) لِمُدَّةِ تَأْخِيرِهِ، (وَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْمُسْتَعِيرِ (مُؤْنَةُ رَدِّ) الْعَارِيَّةِ إلَى مَالِكِهَا. كَمَغْصُوبٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» .
وَإِذَا كَانَتْ وَاجِبَةَ الرَّدِّ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ؛ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ (أَخْذٍ) .
وَ (لَا) يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ (مُؤْنَتُهَا) - أَيْ: الْعَارِيَّة - مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ مَا دَامَتْ [ (عِنْدَهُ) ، بَلْ ذَلِكَ عَلَى مَالِكِهَا؛ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ، وَيَلْزَمُ الْمُسْتَعِيرَ رَدُّهَا]- أَيْ: الْعَارِيَّةِ - إلَى مَالِكِهَا أَوْ وَكِيلِهِ (لِمَوْضِعِ أَخْذِهَا) مِنْهُ؛ كَالْمَغْصُوبِ، (إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى) رَدِّهَا إلَى (غَيْرِهِ) ، وَيَبْرَأُ بِذَلِكَ مِنْ ضَمَانِهَا.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ أَنْ يَحْمِلَ الْعَارِيَّةَ لِلْمُعِيرِ إلَى مَوْضِعٍ غَيْرِ الَّذِي اسْتَعَارَهَا فِيهِ، (فَلَوْ طَالَبَ) الْمُسْتَعِيرَ (بِمِصْرَ بِدَابَّةٍ) كَانَ (أَخَذَهَا بِدِمَشْقَ، فَإِنْ كَانَتْ) الدَّابَّةُ (مَعَهُ لَزِمَهُ دَفْعُهَا) إلَى رَبِّهَا لِعَدَمِ الْعُذْرِ [وَإِلَّا] تَكُنْ مَعَهُ بِمِصْرَ (فَلَا) يَلْزَمُهُ حَمْلُهَا إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ إنَّمَا اقْتَضَى الرَّدَّ مِنْ حَيْثُ أَخَذَ، وَإِعَادَةَ الشَّيْءِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَجِبُ مَا زَادَ.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ اسْتَعَارَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ كَكَلْبٍ مُبَاحِ الِاقْتِنَاءِ، أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ مَدْبُوغٍ، أَوْ أَخَذَ حُرًّا صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ أَبْعَدَهُ عَنْ بَيْتِ أَهْلِهِ؛ لَزِمَهُ الرَّدُّ وَمُؤْنَتُهُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَلَوْ مَاتَ الْحُرُّ لَمْ يَضْمَنْهُ.
(وَيَبْرَأُ) مُسْتَعِيرٌ (بِرَدِّ عَارِيَّةِ إلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِهِ) - أَيْ: بِجَرَيَانِ الرَّدِّ (عَلَى يَدِهِ كَسَائِسٍ) رَدَّ إلَيْهِ الدَّابَّةَ، (وَخَازِنٍ وَزَوْجَةٍ) مُتَصَرِّفِينَ فِي مَالِهِ، (وَوَكِيلٍ عَامٍّ فِي قَبْضِ حُقُوقِهِ) .
قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ "؛ فَلَا يَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا إلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِجَرَيَانِ ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْوَدِيعَةِ: إذَا سَلَّمَهَا إلَى