الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(فَالْقَوْلُ قَوْلُ قَابِضٍ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّةِ نَفْسِهِ، (وَإِلَّا) يُوجَدْ شَرْطُ الْمُقَاصَّةِ؛ (فَلَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِافْتِقَارِ ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ إلَى عَقْدٍ جَدِيدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[بَابُ الْقَرْضِ]
ُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا مَصْدَرُ قَرَضَ الشَّيْءَ يَقْرِضُهُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - إذَا قَطَعَهُ، وَمِنْهُ الْمِقْرَاضُ، وَالْقَرْضُ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الِاقْتِرَاضِ. وَشَرْعًا:(دَفْعُ مَالٍ إرْفَاقًا لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ) ؛ أَيْ: الْمَالِ، (وَيَرُدُّ بَدَلَهُ) ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسِهَا لِمَصْلَحَةٍ لَاحَظَهَا الشَّارِعُ؛ رِفْقًا بِالْمَحَاوِيجِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهِ؛ لِفِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام (وَهُوَ) أَيْ: الْقَرْضُ (مِنْ الْمَرَافِقِ) - جَمْعُ مَرْفِقٍ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مَعَ كَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا - وَهُوَ ارْتَفَقْتُ بِهِ وَانْتَفَعْتُ (الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا) فِي حَقّ الْمُقْرِضِ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «مِنْ كَشَفَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَأَنْ أُقْرِضَ دِينَارَيْنِ، ثُمَّ يُرَدَّانِ، ثُمَّ أُقْرِضَهُمَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِمَا. (وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْقَرْضِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إلَّا كَانَا كَصَدَقَةٍ مَرَّةً» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَلَا إثْمَ عَلَى مَنْ سُئِلَ) الْقَرْضَ (فَلَمْ يُقْرِضْ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، بَلْ مَنْدُوبٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْمُومَةِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِعِوَضِهِ، فَأَشْبَهَ الشِّرَاءَ شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ.
(وَيَنْبَغِي) لِلْمُقْتَرِضِ (أَنْ يُعْلِمَ الْمُقْرِضَ بِحَالِهِ وَلَا يَغُرَّهُ؛ كَفَقِيرٍ يَتَزَوَّجُ) بِامْرَأَةٍ (مُوسِرَةٍ) ، فَيُعْلِمُهَا بِفَقْرِهِ لِئَلَّا يَغُرَّهَا، (وَلَا يَقْتَرِضُ إلَّا مَا يَقْدِرُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ) إلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ مِثْلُهُ عَادَةً؛ لِئَلَّا يَضُرَّ بِالْمُقْرِضِ، (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ الشِّرَاءَ بِدَيْنٍ، وَلَا وَفَاءَ عِنْدَهُ إلَّا) الشَّيْءَ (الْيَسِيرَ. وَقَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: (مَا أُحِبُّ أَنْ يَقْتَرِضَ بِجَاهِهِ لِإِخْوَانِهِ) . قَالَ الْقَاضِي: إذَا كَانَ مَنْ يَقْتَرِضُ لَهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْوَفَاءِ؛ لِكَوْنِهِ تَغْرِيرًا بِمَالِ الْمُقْرِضِ وَإِضْرَارًا بِهِ، أَمَّا إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْوَفَاءِ؛ فَلَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُ وَتَفْرِيجٌ لِكُرْبَتِهِ.
( [وَيَصِحُّ قَرْضٌ] وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) كَانَ الْمُقْرَضُ (مُعَلَّقًا) ؛ كَالْمُنَجَّزِ؛ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ (بِلَفْظِهِ) ؛ أَيْ: بِلَفْظِ الْقَرْضِ (وَلَفْظِ سَلَفٍ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ، وَبِكُلِّ (مَا) ؛ أَيْ: لَفْظٍ (يُؤَدِّي مَعْنَاهُ) ؛ أَيْ: الْقَرْضِ كَقَوْلِهِ: (مَلَّكْتُكَ هَذَا لِتَرُدَّ) لِي (بَدَلَهُ) ، أَوْ خُذْ هَذَا انْتَفَعَ بِهِ، وَرُدَّ لِي؛ بَدَلَهُ، (أَوْ تُوجَدُ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَتِهِ) ؛ أَيْ: الْقَرْضِ؛ كَأَنْ سَأَلَهُ قَرْضًا، (وَإِلَّا) بِأَنْ قَالَ: مَلَّكْتُك، وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَدَلَ، وَلَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ هِبَةٌ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمُعْطِي: هُوَ قَرْضٌ، وَقَالَ الْآخِذُ: هُوَ هِبَةٌ؛ (فَقَوْلُ آخِذٍ بِيَمِينِهِ فِي مَلَّكْتُكَ أَنَّهُ هِبَةٌ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ. (وَمَنْ سَأَلَهُ فَقِيرٌ إعْطَاءَ شَيْءٍ) ؛ فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ قَالَ الْمُعْطِي: هُوَ قَرْضٌ، وَقَالَ الْآخِذُ هُوَ هِبَةٌ، (فَقَوْلُ دَافِعٍ أَنَّهُ قَرْضٌ) بِقَرِينَةِ السُّؤَالِ. (فَإِنْ قَالَ لَهُ: أَعْطِنِي إنِّي فَقِيرٌ) ، وَلَمْ يَقُلْ قَرْضًا فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ ادَّعَى الْمُعْطِي أَنَّهُ قَرْضٌ،
وَادَّعَى الْفَقِيرُ أَنَّهُ صَدَقَةٌ؛ (فَقَوْلُ فَقِيرٍ أَنَّهُ صَدَقَةٌ) بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ إنَّهُ فَقِيرٌ؛ إذْ مَنْ طَلَبَ لِلْفَقْرِ إنَّمَا يَطْلُبُ صَدَقَةً غَالِبًا.
(وَشُرِطَ. عِلْمُ قَدْرِ قَرْضٍ) بِمُقَدَّرٍ مَعْرُوفٍ، فَلَا يَصِحُّ قَرْضُ دَنَانِيرَ وَنَحْوِهَا عَدَدًا إنْ لَمْ يُعْرَفْ وَزْنُهَا، إلَّا إنْ كَانَتْ يُتَعَامَلُ بِهَا عَدَدًا، فَيَجُوزُ، وَيُرَدُّ بَدَلُهَا عَدَدًا، (وَ) مَعْرِفَةُ (وَضْعِهِ) لِيَتَمَكَّنَ مِنْ رَدِّ بَدَلِهِ. (وَ) شُرِطَ (كَوْنُ مُقْرِضٍ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ) ، فَلَا يُقْرِضُ نَحْوُ وَلِيِّ يَتِيمٍ مِنْ مَالِهِ، وَلَا مُكَاتَبٌ وَلَا نَاظِرُ وَقْفٍ مِنْهُ، كَمَا لَا يُحَابِي؛ (فَلَا يَصِحُّ قَرْضٌ نَحْوِ مَكِيلٍ) ؛ كَمَوْزُونٍ (جُزَافًا أَوْ مُقَدَّرًا بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ غَيْرِ مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْعَامَّةِ) ؛ كَالسَّلَمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَ ذَلِكَ فَيَتَعَذَّرُ رَدُّ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا غَرَضٌ فِي ذَلِكَ؛ صَحَّ الْقَرْضُ، لَا التَّعْيِينُ، (وَمِنْ شَأْنِهِ) ؛ أَيْ: الْقَرْضِ (أَنْ يُصَادِفَ ذِمَّةً) فِي الْغَالِبِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الدَّيْنُ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي الذِّمَمِ، وَمَتَى أُطْلِقَتْ بِالْأَعْوَاضِ تَعَلَّقَتْ بِهَا، وَلَوْ عُيِّنَتْ الدُّيُونُ مِنْ أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ؛ لَمْ يَصِحَّ. (فَلَا يَصِحُّ قَرْضُ جِهَةٍ؛ كَمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) ؛ كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ (مَعَ قَوْلِهِمْ) ؛ أَيْ: الْأَصْحَابِ فِي كِتَابِ (الْوَقْفِ: وَلِلنَّاظِرِ الِاسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ) بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ لِمَصْلَحَتِهِ؛ كَشِرَائِهِ لَهُ نَسِيئَةً، أَوْ بِنَقْدٍ لَمْ يُعِنْهُ. (وَفِي بَابِ اللَّقِيطِ) يَجُوزُ الِاقْتِرَاضُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِنَفَقَةِ اللَّقِيطِ، وَكَذَا قَالَ فِي " الْمُوجَزِ ": يَصِحُّ قَرْضُ حَيَوَانٍ وَثَوْبٍ لِبَيْتِ الْمَالِ وَلِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ. (فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْتُ الْمَالِ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ حَاكِمٌ) . قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الدَّيْنَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ، وَبِهَذِهِ الْجِهَاتِ؛ كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي؛ فَلَا يَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ الْوَفَاءُ مِنْ مَالِهِ، بَلْ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ، وَمَا يَحْدُثُ لِبَيْتِ الْمَالِ. أَوْ يُقَالُ لَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ رَأْسًا، وَمَا هُنَا بِمَعْنَى الْغَالِبِ فَلَا تَرِدُ الْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ لِنُدْرَتِهَا.
(وَيَصِحُّ) الْقَرْضُ (فِي كُلِّ عَيْنٍ يَصِحُّ بَيْعُهَا) مِنْ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ