الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
مِيقاتُ رَبِّهِ: الوقت المحدد لعمل من الأعمال كمواقيت الصلاة والصوم.
اخْلُفْنِي: كن خليفتي فيهم. تَجَلَّى رَبُّهُ: انكشف وظهر نوره.
دَكًّا: مدكوكا. صَعِقاً: مصعوقا مغشيا عليه. أَفاقَ: رجع إليه عقله. بِقُوَّةٍ: بعزيمة ونشاط.
المعنى:
ذكر المفسرون أن موسى- عليه السلام وعد بنى إسرائيل إذا أهلك الله عدوهم فرعون أن يأتيهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون، وما يذرون، فلما أهلك فرعون سأل موسى ربه أن ينزل الكتاب الموعود فأمره أن يصوم ثلاثين يوما فصامها، فلما تمت أنكر موسى رائحة فمه فاستاك، فأمره الله أن يصوم عشرا وأن يلقى الله صائما فتلك هي الأربعون ليلة التي ذكرت في البقرة مجملة وذكرت هنا مفصلة.
ضرب الله- تعالى- موعدا لموسى لمكالمته فيه، وإعطائه الألواح المشتملة على أصول الشريعة، وقال موسى لأخيه هارون: كن خليفتي في القوم مدة غيابى عنهم، وعليك بإصلاح نفسك وخاصتك، وأهل مشورتك، وعملك وحكمك لتكون من الصالحين للخلافة، وإياك أن تتبع رأى أهل الفساد والضلال، هذه هي سبل النجاة للحكام.
ولما جاء موسى للوقت المحدود، وكلمه ربه بلا واسطة كلاما سمعه من كل جهة استشرفت نفسه للجمع بين فضيلة الكلام والرؤية، فقال: رب أرنى ذاتك المقدسة، واجعلنى متمكنا منها بأن تتجلى لي فأنظر إليك. قال الله: لن تراني الآن ولا في المستقبل إذ ليس لبشر ما أن يطيق النظر إلى في الدنيا
«حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه (أنواره) ما انتهى إليه بصره من خلقه» حديث شريف.
ثم أراد المولى أن يخفف عليه الأمر، وأنه لا يطيقها فقال مستدركا: ولكن انظر إلى الجبل الذي يرجف بك، ويضطرب كيف أفعل به؟ وكيف أجعله مدكوكا
…
، فإن
استقر مكانه وثبت عند التجلي الأعظم عليه فسوف تراني إذ هو مشارك لك في الوجود، وإذا كان الجبل في قوته وثباته لم يقو على الثبات فكيف بك يا موسى؟
فلما تجلى ربه للجبل، وانكشفت بعض آياته له جعله دكا مدكوكا، وخر موسى من هول ما رأى مصعوقا، فلما أفاق من غفوته، وصحا من رقدته قال: سبحانك يا رب وتنزيها لك وتقديسا، إنى تبت إليك من سؤالى، وقيل: تبت إليك من الجرأة والإقدام على السؤال بلا إذن، وأنا أول المؤمنين بعظمتك وجلالك.
ثم أراد المولى أن يطيب خاطره ويبين له مكانته فقال:
يا موسى إنى اصطفيتك على الناس الموجودين معك برسالتي ونبوتي، وخصصتك بكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين القانعين، ولا تطلب ما ليس لك.
وكتبنا له في الألواح من كل شيء مما يحتاجون له من أمور دينهم، موعظة مؤثرة وهداية نافعة، وتفصيلا لأحكام الشريعة.
وهل هذه الألواح هي كل ما أوتيه أو بعضه؟ وهل كان عددها عشرا أو أقل؟ الله أعلم بذلك.
فخذها بقوة، واقبلها بجد ونشاط، وأمر قومك يأخذوا بأحسنها فلكل درجات ومراتب، فمثلا هناك عفو وقصاص وصبر وانتصار
…
إلخ فليأخذوا بالعفو والصبر وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ. سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ كعاد وثمود، أو قوم فرعون، وقيل: سترون عاقبة من يخرج من طاعتي!!! ورؤيا الله- سبحانه وتعالى كانت ولا تزال مثار خلاف وجدل لتعارض النصوص فيها. مثلا لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، لَنْ تَرانِي مع قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ والأحاديث الصحيحة الكثيرة.
ولذا قال بعضهم: إن الرؤية محال، وبعضهم قال: إنها جائزة، وينبنى على هذا طلب موسى للرؤية. هل كان للرد على من طلب من قومه بالدليل لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً وعلى هذا فطلبه خارج، ولذا تاب وأناب، وقيل: إنها جائزة، والتوبة من التعجل بالسؤال، وعلى العموم فهذا بحث مبسوط في كتب التوحيد وكتب التفسير المطولة.