الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والذنب كأنه لثقله على صاحبه كالحمل الذي يثقل ظهره. لَعِبٌ: هو العمل الذي لا يقصد به جلب نفع أو دفع ضر. لَهْوٌ: ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه.
المعنى:
هؤلاء المشركون أمرهم عجيب حقا، فإنك تراهم في الدنيا يكفرون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم ويستهزئون به وبدينه، ولا يؤمنون بالبعث وتوابعه ويفاخرون بذلك، ولو ترى إذ يقفون على النار حتى يعاينوا ويطلعوا عليها ويتبينوها أو يدخلوها فيعرفون كنهها ويتلظون بنارها. لرأيت شيئا عجيبا تقف العبارة دون وصفه.. وهم إذ وقفوا عليها وظنوا أنهم مواقعوها حتما. قالوا: يا ليتنا نرد إلى الدنيا ولا نكذب بهذه النار وما يتبعها من أمور البعث والجزاء أو لا نكذب بأية آية من آيات ربنا، ونكون من المؤمنين بالله المصدقين برسله وآياته (بل) إضراب إبطالى لهذا التمني السابق على معنى (لا) لا. ليسوا صادقين في هذا التمني والرغبة في الإيمان أصلا، بل لأنهم ظهر لهم وبدا ما كانوا يخفونه ويكفرون به من أمور البعث والنار التي وقفوها عليها إذ من يكفر بأمر يخفيه ولا يظهره، ومن يؤمن به يبديه ولا يكتمه، والكلام في النار والعرض عليها.
ولو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والعناد وعدم الإيمان، وإنهم لقوم طبعهم الكذب وديدنهم العناد، ولو ردوا إلى الدنيا لقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا فقط وليست لنا حياة أخروية أبدا، وما نحن بمبعوثين وهكذا القوم الماديون لا يؤمنون بالغيب، ولا يرجى منهم خير أبدا.
ولو ترى هؤلاء المشركين المكذبين حين تقفهم الملائكة، وتحبسهم ليحاسبهم ربهم، ويحكم فيهم بما أراد يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ «1» لو رأيت هؤلاء حينئذ لهالك أمرهم واستبشعت منظرهم ورأيت ما لا تؤديه عبارة ولا يحيط به وصف وكأن سائلا سأل وقال: ماذا قيل لهم حينئذ؟ فأجيب قال لهم ربهم تبكيتا وتأنيبا: أليس هذا الذي أنتم فيه من أهوال الآخرة هو الحق لا شك فيه؟ قالوا: بلى نعم هو الحق لا شك فيه وربنا، قال لهم ربهم: فذوقوا ألم العذاب المر الذي تجدونه كما يجد من يذوق الشيء من قوة الإحساس والإدراك، كل ذلك بسبب ما كنتم تكفرون به
(1) سورة الانفطار آية 19.
وتجحدون في الدنيا، ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم هذا الإقرار منكم بأنه حق قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله، وما وعد الله به عباده الصالحين، نعم خسروا نعيم الآخرة وثوابها وسعادة الإيمان ولذته ورضوانا من الله أكبر من كل شيء.
وما كان هذا إلا نتيجة لإنكارهم الحياة الأخروية فإن من ينكرها يكون ماديا شهوانيّا ليس له قلب ولا روح وهم كالأنعام بل أضل سبيلا.
قد خسر الذين كذبوا حتى إذا جاءتهم منيتهم مباغتة لهم ومفاجئة قالوا: يا حسرتنا احضرى فهذا أوانك، يا حسرتنا على ما فرطنا في الحياة الدنيا التي كنا نزعم أن لا حياة بعدها
…
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات قامت قيامته»
فتكذيبهم مستمر إلى موتهم فقط أما خسارتهم فلا حد لها ولا نهاية. وتحسرهم كذلك قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يحملون أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم، يحملونها على ظهورهم، وهذا ما كسبته أيديهم وجنته جوارحهم، ألا ساء ما يحملون وبئس ما يصنعون.
وأما الحياة الدنيا التي قال عنها الكفار إنه لا حياة بعدها فهي دائرة بين عمل لا فائدة فيه كلعب الأطفال وبين عمل فائدته عاجلة سلبية كفائدة اللهو فمتاعها قليل، وأجلها قصير، وحياتها تعب، وصاحبها في كبد لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ «1» . وأما الدار الآخرة فنعم عقبى الدار! نعيمها مقيم وظلها دائم لا همّ فيها ولا نصب، ولا تعب ولا ألم وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ «2» .
(1) سورة البلد آية 4.
(2)
سورة الحجر الآيتان 47 و 48.