الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإنفاق في سبيل الله ركن أساسى من أسس الدين ودعامة من دعائم الدولة، فما بخلت أمة بمالها إلا حاق بها الذل والاستعباد، وسلط الله عليها الأعداء من كل جانب يتكاثرون عليها كما تتكاثر الأكلة الجياع على المائدة.
والإنفاق في سبيل الله واجبا كان أو مندوبا. ما دام في وجوه الخير ومحاربة الجهل والفقر والمرض ونشر الدين وخدمة العلم، فهو مما يطلبه الدين ويحث عليه الشرع، ولذا ترى القرآن الكريم قد تكلم عنه في عدة مواضع وحث عليه بأساليب شتى وضرب الأمثال ورغّب ورهّب وبيّن ووضّح.
المعنى:
مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ولإعلاء كلمته وإسعاد الوطن وأهله كمثل حبة أنبتت سبع سيقان في كل ساق سنبلة في كل سنبلة مائة حبة، وذلك يكون في أخصب أرض وأجود تربة وأحسن بذر، ولا غرابة في ذلك، فهذا القمح والأرز تنبت الحبة فيه هذا القدر.
وهذا تصوير وتمثيل للأضعاف والإضافة في الزيادة والأجر يضاعف هذه المضاعفة أو أكثر منها لمن يشاء إذ هو الواسع الفضل الغنى الكريم العليم بكل شيء.
الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله وهذا جزاؤهم في الدنيا والآخرة إنما يستحقون ذلك بشرط ألا يتبعوا ما أنفقوا منّا على الفقير بأن يعتدّ عليه بما فعل به وألا يتبعوا ما أنفقوا بالأذى والضرر فلا يتطاول عليه المنفق ويطلب جزاء عمله.
وعدم المن والأذى مطلوب منك أيها المنفق وقت الصدقة وبعدها وإذا حرم عليك بعد الصدقة فوقتها من باب أولى، وهذا هو السر في التعبير بثم.
هؤلاء المنفقون في سبيل الله الذين لم يمتنّوا ولم يؤذوا أحدا لهم أجرهم الكامل عند ربهم ولا هم يحزنون وقت أن يحزن البخيل ويندم على إمساكه رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [سورة المنافقون آية 10] .
كلام جميل تهدأ به نفس السائل وتردّ به، ومغفرة لإساءته في الإلحاف، خير للسائل والمسئول من صدقة يتبعها أذى وضرر إذ الصدقة شرعت لتقريب الناس بعضهم من بعض
وتخفيف حدة الحسد والحقد بين الطبقات، والمن والأذى يخرجها عن وضعها الصحيح، والله واسع الفضل غنى لا يحتاج إلى عطاء الغنى، بل أوجبها تأكيدا للصلة وجلبا للمحبة والتعاطف، حليم لا يعاجل بالعقوبة لمن يستحقها.
والمن والأذى طبيعة في النفوس وغريزة في بنى الإنسان ولذا حرمهما الله بأن شرط في النفقة الشرعية خلوّها من المن والأذى وبيّن أن العدول عن الصدقة التي يتبعها أذى إلى قول معروف خير من تلك الصدقة.
ثم بعد هذا كله خاطب المؤمنين بوصف الإيمان ليكون ذلك أدعى للقبول والامتثال، وحرم عليهم المن والرياء صراحة فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تحبطوا ثواب صدقاتكم بالمن والأذى.
أفسدت بالمن ما أسديت من حسن
…
ليس الكريم إذا أسدى بمنّان
فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم كمن ينفق ماله للرياء والسمعة، والمرائى يظهر للناس أنه يريد وجه الله، وفي الواقع هو يريد وجه الناس ليقال عنه: إنه كريم وجواد وغير ذلك من أغراض الدنيا، ولذا وصفه الله بقوله: لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
فمثل الذي يمن ويؤذى والذي يرائى كمثل حجر أصم عليه تراب وقد نزل عليه مطر شديد فذهب التراب وبقي الحجر أملس، وهكذا الذي يمن أو يرائى يلبس ثوبا غير ثوبه ثم لا يلبث أن ينكشف أمره ويتهتك ستره فيكون ما تلبس به كالتراب على الصفوان يذهب به الوابل فلا يبقى من أثره شيء.
ثوب الرياء يشف عما تحته
…
فإذا اكتسيت به فإنك عار
فالذي يمن أو يرائى مذموم في الدنيا من الناس أجمعين. وأما في الآخرة فلا ثواب إلا للمخلصين الذين ينفقون ابتغاء مرضاة الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا رياء، والله لا يهدى القوم الكافرين.