الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قومهم بما رأوا. وكان موسى قد أمرهم ألا يخبروا أحدا بما يرون فنقضوا العهد إلا نقيبين منهم
وهما اللذان قال فيهم القرآن: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ وسيأتي خبرهما بعد في الآية 23.
المعنى:
ولقد أخذ الله العهود والمواثيق على بنى إسرائيل بواسطة نبيهم موسى ليعملن بالتوراة وليقبلنها بجد ونشاط خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [سورة البقرة الآيات 63 و 93] ولا يزال هذا العهد موجودا في التوراة، وأمرناه أن يختار اثنى عشر نقيبا منهم، يتولون أمور الأسباط، ويقومون على رعايتهم، وبعثناهم يتحسّسون العدو ليقاتلوه، وقال الله على لسان موسى: إنى معكم وناصركم على عدوكم ومطلع عليكم ومجازيكم على أعمالكم.
ثم أعطاهم العهد الموثق: لئن أقمتم الصلاة وأديتموها تامة كاملة الأركان مستوفية الشروط، وأنفقتم بعض المال الذي به تزكو نفوسكم وتطهر. وآمنتم برسلي التي سترسل لكم بعد موسى- عليه السلام كداود وسليمان ويحيى وزكريا وعيسى ومحمد- عليهم الصلاة والسلام- ونصرتموهم، ومنعتموهم من الأعداء، ووقفتم إلى جانبهم في السراء والضراء، وأقرضتم الله قرضا حسنا طيبة به نفوسكم، مع أنكم تقرضون ربّا له خزائن السموات والأرض قادرا كريما، يضاعف الحسنة إلى عشرة أمثالها بل إلى سبعمائة.
تالله إنكم إن فعلتم هذا (إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالرسل ونصرتهم والقرض الحسن) لأكفرن عنكم سيئاتكم، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وأنتم بذلك تستحقون الرضوان ودخول الجنات التي تجرى من تحتها الأنهار، ومن يكفر بعد ذلك منكم، وينقض الميثاق فقد ضل السبيل الواضح وأخطأ الطريق المستقيم الذي رسمه الله لعباده الأبرار.
وهؤلاء اليهود- كما وصفهم القرآن غير مرة- دأبهم العناد، وديدنهم الكفر والعصيان، وجزاؤهم الطرد والحرمان، فبنقضهم الميثاق، وكفرهم بالله ورسله وعدم نصرتهم لهم وعدم تعظيمهم وتوقيرهم، استحقوا المقت والغضب واللعن والطرد من
رحمة الله، وكان نقضهم الميثاق مفسدا لفطرتهم مدنسا لنفوسهم، فإن الذنب الذي يرتكبه الإنسان يترك نكتة سوداء في القلب. فإذا كثرت المعاصي اسود القلب وأصبح في أكنة، لا يصل إليه النور والهدى خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «1» ولذلك رأيناهم يقتلون الأنبياء بغير حق، ويفترون على مريم البتول وابنها عيسى الذي أرسل لهم يهديهم سواء السبيل، بل حاولوا قتله وافتخروا بذلك وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ «2» فبسبب هذا بعدوا عن رحمة الله وطردوا منها شر طردة وأصبحت قلوبهم قاسية كالحجارة أو أشد قساوة، وصاروا يحرفون الكلم عن مواضعه فيقدمون ويؤخرون، ويحذفون منه، ويغيرون معناه ويبدلون، ليّا بألسنتهم وطعنا في الدين، وقد نسوا حظا من التوراة كبيرا.
ذلك أن موسى- عليه السلام توفى والتوراة التي كتبها وأمر بحفظها نسخة واحدة قد فقدت باتفاق المؤرخين من اليهود والنصارى عند سبى البابليين لهم وإغارتهم عليهم، ولم يكن عندهم غيرها وما كانوا حفظوها كلها، نعم هناك أسفار خمسة تنسب إلى موسى- عليه السلام فيها أخبار عن موته وحياته وأنه لم يقم أحد بعده مثله، كتبت بعد موته بزمن طويل، قيل: كتبها عزرا الكاهن معتمدا على ما بقي عند شيوخهم الذين بقوا بعد الأسر والقتل.
أفلا تراهم نسوا حظا كبيرا، وكما يقول القرآن في موضع آخر: أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ «3» ومن العلماء من يرى أن معنى الآية أنهم تركوا أحكاما كثيرة من التوراة.
والله أعلم بكتابه.
ألا ترى أن هذا من أعظم المعجزات على صدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبرهم بدخائل نفوسهم!! وأما أنت يا محمد فلا تأس عليهم، ولا تعجب من عنادهم فها هم قديما قد فعلوا كل شيء، ولا تزال تطلع منهم على خيانة تصدر منهم على سبيل المبالغة، إلا قليلا منهم ممن آمن وحسن إيمانه.
وإذا كان الأمر كذلك فاعف عنهم واصفح إذا تابوا، أو بذلوا الجزية، إن الله يحب المحسنين.
(1) سورة البقرة الآية 7. [.....]
(2)
سورة النساء الآية 157.
(3)
سورة آل عمران الآية 23 والنساء 44 و 51.