الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
كان الكلام في وقعة بدر وأحد وما حصل للمؤمنين فيهما وموقف الكفار وصفتهم مع بيان صفة المؤمنين وجزائهم.
ثم بعد هذا ذكر القرآن سنة الله في الخلق وأن ما حصل كان موافقا للسنة مع بيان الحكمة فيما وقع.
المعنى:
انظروا أيها المسلمون فأنتم أولى بالنظر والاعتبار، انظروا إلى من تقدمكم من الأمم، سيروا في الأرض حتى تقفوا على أخبار الماضين فستجدون أن لله طريقا واحدا لا يختلف: سُنَّةَ اللَّهِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا «1» فإن أنتم أيها المسلمون سرتم سير الطائعين الموفقين، وصلتم إلى ما وصلوا إليه حتما، وإن سرتم سير العصاة المكذبين كانت عاقبتكم خسرا، وفي هذا تنبيه لمن خالف النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد.
فكأنهم انتصروا يوم بدر لسلوكهم سبيل الطائعين المتوكلين على الله وهزموا يوم أحد لأنهم تنازعوا ففشلوا وخالفوا أمر الرسول ولم يصبروا ولم يتقوا كما أمروا، ففي الآية الكريمة سبيل الأمن والخوف، وفي طيها الوعد والوعيد، والقرآن الكريم يشير في جملته إلى أن مشيئة الله تسير على نظم ثابتة قد ربطت فيها الأسباب بالمسببات وإن يكن الله قادرا على كل شيء، ففي الحرب أو الزرع أو التجارة مثلا إذا سار فيها صاحبها على الطرق المألوفة والنظم المحكمة نجح وإن كان شريرا مجوسيا. وإن جانب المألوف وركب رأسه واتبع غير المعقول كان من الخاسرين ولو كان شريفا علويّا، وأحق الناس بالسير على المعقول والاستفادة بهدى القرآن هم المؤمنون في كل ما يأتون ويذرون والسير في الأرض ومشاهدة الآثار أثبت في معرفة الأخبار من التاريخ
ورواية الأخبار «فما راء كمن سمعا» .
كل إنسان له عقل يفكر به يعرف أن لله سنة في الكون لا تختلف عند جميع الناس في كل العصور مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم والله يهدى من يحب إلى صراط مستقيم.
(1) سورة الأحزاب آية 62. [.....]
فبيان سنن الكون للناس جميعا، وإن كون ما ذكر هداية وعظة فهو خاص بالمتقين لأنهم المنتفعون بهدى القرآن ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ «1» ولذا قال الله: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ.
وإذا كان المؤمنون هم المنتفعين بما ذكر يجب ألا يضعفوا لما أصابهم من مس السلاح عند القتال وما يلزمه من التدبير، ولا يحزنوا على من قتل منهم في أحد فهو شهيد مكرم عند الله يوم القيامة، وما وقع ليس نصرا للمشركين ولكنه درس شديد للمسلمين، ولذا
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو خيرت بين الهزيمة والنصر يوم أحد لاخترت الهزيمة»
لما في تلك الغزوة من التربية لكم على تحمل المشاق وبيان أن خروجكم على نبيكم ومخالفة أمره خروج على سنة الله في أسباب الظفر فلا تعودوا لمثله أبدا!! وكيف تهنون وتحزنون والحال أنكم الأعلون بمقتضى سنة الله في جعل العاقبة للمتقين؟ ألا تعلمون أن قتلاهم في النار وقتلاكم في الجنة؟! والمراد بالنهى عن الوهن والحزن النهى عن الاستسلام إلى ذلك، بمعنى التأهب والاستعداد مع العزيمة الصادقة والتوكل على الله والوثوق بالنصر، فإن الله وعد بذلك إن كنتم مؤمنين فاعملوا بهذا.
وكيف تضعفون ولا تعلمون حقيقة ما أصابكم من الألم، فأنتم إن أصابكم ألم في أحد فقد أصاب الكفار ألم أكثر منه في بدر، وإن هزمتم في أحد فقد انتصرتم في بدر.
فيوم لنا ويوم علينا
…
ويوما نساء ويوما نسرّ
والأيام دول، والحرب سجال، وتلك الأيام نداولها بين الناس فنجعل للباطل دولة في يوم، وللحق دولة في أيام، والعاقبة والنصر في النهاية للمتقين الصابرين كل ذلك ليستقر العدل ويعم النظام ويعلم الناس أن الدنيا إن سلك طريق النجاح والفوز.. فعل الله ما فعل مع المؤمنين لحكم يعلمها وليتحقق إيمان المؤمنين ويظهر واضحا، ولذا
قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد موقعة أحد: «لا يذهب معنا في القتال (غزوة حمراء الأسد) إلا من قاتل»
فذهب المؤمنون وهم في أشد التعب والنصب.
لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا هذه العبارة وأمثالها تفيد تحقيق الإيمان وحصوله في الخارج حتى يحصل علم الله به، فإذا علم الله إيمان فلان كان لا بد أن يكون إيمانه
(1) سورة البقرة الآية 2.