الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان دأب المؤمنين إذا دعوا إلى الجهاد لبوا مسرعين نشطين لأنهم ينتظرون إحدى الحسنيين: إما الشهادة والأجر، أو الغنيمة والنصر.
ولما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك تثاقل بعضهم لأسباب رآها، هذا التثاقل تختلف درجاته تبعا لقوة الإيمان وشدة العذر، وقد نفرت الأكثرية طائعة وتخلفت قلة عاجزة معذورة. أما المنافقون فقد كبر عليهم الأمر، وشق عليهم الخطب. كيف يقاتلون في تبوك أكبر دولة في العالم؟! فطفقوا ينتحلون الأعذار، ويستأذنون في القعود، والتخلف فيأذن لهم الرسول قبل بيان حالهم والوقوف على أسرارهم.
فكانت هذه الآيات الفاضحة للمنافقين، الكاشفة عن أخلاقهم وطبائعهم.
وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجند بن قيس لما أراد الخروج إلى تبوك: «يا جدّ هل لك في جلاد بنى الأصفر تتخذ منهم سرارى ووصفاء؟» فقال الجد: قد عرف قومي أنى مغرم بالنساء وإنى أخشى إن رأيت بنى الأصفر ألا أصبر عنهن، فلا تفتني وأذن لي في القعود وأعينك بمالي، فأعرض عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك. فنزلت هذه الآية.
المعنى:
لو كان ما دعوا إليه- هؤلاء المنافقون- عرضا قريبا، ومغنما سهل المأخذ قريب المنال، ولو كان سفرا ذا قصد وسهولة ليس فيه مشقة ولا تعب، لو كان هذا أو ذاك لاتبعوك وأجابوك إلى طلبك، ولكن بعدت عليهم الشقة التي دعوا إليها وهي غزوة تبوك، وكبر عليهم التعرض لقتال الروم في ملكهم وعقر دراهم، والروم أكبر دولة حينئذ، نعم كبر عليهم ذلك فتخلفوا جبنا وميلا للراحة والدعة، وسيحلفون بعد رجوعكم إليهم قائلين: لو استطعنا لخرجنا معكم مجاهدين غازين، فإننا لم نتخلف إلا لعدم استطاعة الغزو وفقد المال والظهر، وما علموا أنهم يهلكون أنفسهم باليمين الكاذبة
«اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع» (حديث شريف)
، والله يعلم إنهم لكاذبون، وسيجازيهم على ذلك كله..
روى أن ناسا قالوا لبعضهم: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.
والذي حصل من النبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن لهم لما أقسموا كاذبين: إنهم لا يستطيعون الجهاد، فجاء قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ؟ .. صريحا في أنه- سبحانه وتعالى عفا عنه- عليه الصلاة والسلام وما وقع منه عند إذنه للمتخلفين المنافقين، فقد ترك الأولى والأفضل، وكان الأحسن الانتظار والتأنى حتى تنكشف أمورهم وتظهر للعيان، كأنه قيل: لم سارعت إلى الإذن لهم؟ وهلا انتظرت حتى ينجلي الأمر فإن هذا هو الحزم والحكمة!! على أن الله كره انبعاثهم، وكان في خروجهم خطر على المسلمين، وفي تصدير فاتحة الخطاب ببشارة العفو دون ما يوهم العقاب لطف الرب اللطيف بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وذلك بخلاف مفاداة الأسرى فإن الخطأ فيها كان كثيرا، وكذا كان التعبير هناك صارما ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى.. [سورة الأنفال آية 67] .
ليس من شأن المؤمنين بالله الذي كتب عليهم الجهاد، وباليوم الآخر الذي يكون فيه الأجر الكامل على الأعمال، أن يستأذنوك في أمر الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس بل يقدمون عليه عند وجوبه بهمة ونشاط، فهل يعقل أن يكون من شأنهم أن يستأذنوك في التخلف عنه بعد النفير العام له؟ .. كلا.. نعم لا يستأذنك المؤمنون في القعود عن الجهاد أبدا ما داموا مستطيعين ذلك، والله عليم بالمتقين وسيجازيهم على ذلك أحسن الجزاء، إنما يستأذنك المنافقون الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر في القعود عن الجهاد منتحلين الأعذار، مقسمين أحرج الأيمان، والله يعلم إنهم لكاذبون، وهذا يقتضى عدم الإذن لهم بسرعة.
فهم قد ارتابت قلوبهم، وملئت شكّا ونفاقا، وهم في ريبهم يترددون، يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو قاتلهم الله أنى يؤفكون؟! ولو أرادوا الخروج معك للقتال لأعدوا له عدته من الزاد والراحلة، وقد كانوا مستطيعين ذلك. ولكن كره الله انبعاثهم وخروجهم مع المؤمنين لأنهم لو خرجوا ما فعلوا إلا تفريق كلمتهم، وإذاعة قالة السوء بينهم، فثبطهم بما أحدث في قلوبهم من الخواطر، وما أذاع في جوانبهم من المخاوف فلم يعدوا للخروج عدته وكان في متناول أيديهم، وقيل لهم من الرسول صلى الله عليه وسلم: اقعدوا مع القاعدين من المرضى والصبيان والنساء والضعفاء.
ثم أراد القرآن أن يطمئن المؤمنين ويبين أن عدم خروجهم مصلحة للجيش فقال ما معناه: لو خرجوا منبثين فيكم، وقاتلوا معكم، ما زادوكم إلا خبالا وضعفا، واضطرابا في الرأى وفسادا في العمل، فلن يأتى منهم خير أبدا بل سيأتى شر، وإذا خرجوا معكم فسيسرعون في الدخول بينكم بالنميمة وتفريق الكلمة حالة كونهم يبغون الفتنة، وإذاعة السوء، والتخويف من الأعداء، وتثبيط الهمة وهذا كله خطر عليكم وأى خطر كهذا؟!! ولا تنسوا أن فيكم قوما سماعين لهم من ضعفاء العقل والإيمان يسمعون لهم ويصدقونهم في قولهم، والله يعلم أن قولهم إفك، وحديثهم كذب، والله عليم بالظالمين، ومجازيهم على عملهم.
تالله لقد ابتغوا الفتنة من قبل لكم، ألا تذكروا موقف عبد الله ابن أبىّ زعيم المنافقين في غزوة أحد حينما توقف عن السير للقتال في مكان يسمى بالشوط وانحاز له ثلث الجيش، ولقد همت طائفتان منكم أن تفشلا وترجعا عن القتال، ولكن عصمهم الله من الذلة إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [سورة آل عمران آية 122] ، وتقدم تفصيل ذلك في الجزء الرابع فخروجهم معكم خطر عليكم، والله صرفهم عنكم.
لقد ابتغوا الفتنة لكم قديما، وقلبوا لكم الأمور، وفكروا كثيرا في القضاء على دعوتكم ولكن: أطنين أجنحة الذباب يضير؟!! نعم لم يفعلوا شيئا فالله معكم، وقد جاء الحق بالنصر الموعود، وظهر أمر الله بالتنكيل باليهود، وبطل الشرك بفتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجا، كل ذلك وهم له كارهون..!!
يا عجبا لهؤلاء المنافقين ينتحلون الأعذار، ويظهرون التمسك بالفضيلة، وما علموا أن الله يعلم السر وأخفى، ويعلم الغيب والشهادة!! وقد كانت نفوسهم منطوية على نفاق الله أعلم به. انظر إلى بعضهم يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: ائذن لي في القعود عن الحرب وسأعينك بالمال فإنى أخاف فتنة نساء الروم فأذن لي ولا تفتنّى، فيرد الله عليهم مكذبا دعواهم كاشفا حقيقتهم: ألا في الفتنة سقطوا، وقد وقعوا فيها كما يقع الإنسان في البئر، وانظر إلى بدء الجملة بكلمة (ألا) للتنبيه وافتتاح الكلام وأنهم خبوا في الفتنة ووضعوا!!! وانظر إليهم وهم يتربصون بكم الدوائر، ويتمنون لكم كل شر وخيبة