الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
لا يَحْزُنْكَ: لا يؤلمك هؤلاء. يُسارِعُونَ أى: يقعون في الكفر بسرعة ورغبة، والمراد أنهم ينتقلون مسرعين من بعض فنون الكفر إلى بعض آخر.
فِتْنَتَهُ: اختباره حتى يظهر ما تنطوى عليه نفسه. لِلسُّحْتِ: الخبيث من المكاسب، وهو في اللغة: الهلاك والشدة، وسمى المال الحرام سحتا لأنه يسحت الطاعات والبركات، أى يذهبها.
سبب النزول:
روى أبو داود أنه زنى رجل وامرأة من اليهود، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيفات، فإن أفتى بفتيا دون الرجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله، وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد مع أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم: ما ترى في رجل وامرأة زنيا، فلم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى بيت مدارسهم، أى: مدارسهم فقام على الباب فقال: «أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ فقالوا: يحمم وجهه، أى: يوضع عليه السواد، ويجبه- يحمل الزانيان على حمار مع تقابل أقفيتهما ويطاف بهما- ويجلدان، قال: وسكت شاب منهم يقال له ابن صوريا، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ألظ به النشدة- ألح في سؤاله- فقال ابن صوريا: اللهم إذ أنشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم. فقال الرسول: فإنى أحكم بما في التوراة فأمر بهما فرجما- انتهى كما في القرطبي.
ورويت روايات أخرى كلها تدور حول إنكارهم الحكم، وعبثهم بالشريعة والتوراة.
المعنى:
يرشدنا الله- سبحانه وتعالى إلى أدب الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: يا أيها الرسول، حتى لا نناديه، كما كان يفعل بعض الأعراب، ولقد كان نداء أفاضل الصحابة،
يا رسول الله، وانظر إلى تكريم الله له فإنه ينادى الأنبياء بأسمائهم وما ناداه باسمه قط.
يا أيها الرسول: لا يهمنك أمر الذين يسرعون بالوقوع في الكفر، ولا تأس عليهم فالله بهم محيط، وهو ناصرك عليهم حتما، مهما أظهروا من عداوة، وتعاونوا مع المشركين وألبوهم عليك.
والمراد من النهى عن الحزن النهى عن لوازمه التي يفعلها الشخص مختارا كتذكر المصائب وتعظيم شأنها.
ومن هم المسارعون بالوقوع في الكفر، والتنقل في أساليبه وألوانه؟ هم المنافقون الذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، وبعض اليهود الذين يبلغون في سماع الكذب من أحبارهم الذين يلقون إليهم الأخبار الكاذبة في حق النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: سماعون للأخبار من النبي صلى الله عليه وسلم ثم ينقلونها إلى الأحبار فيحيكون الأكاذيب على النبي صلى الله عليه وسلم موافقة لبعض ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم فيكون عملهم التجسس على النبي.
سماعون الكذب للأخبار، وسماعون لقوم آخرين لهم رأى خاص واتجاه آخر، موصوفون بأنهم لم يأتوك من شدة الكراهة لك، والحسد عليك، وقد كان بعض زعماء اليهود، يأبون على أنفسهم أن يجلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم!! وهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه بنقل كلمة مكان أخرى، أو إخفائها وكتمانها، أو بحمل الألفاظ على غير ما وضعت له.
وهم يقولون لأتباعهم- كما ورد في سبب النزول- إن أعطاكم محمد رخصة بالجلد عوضا عن الرجم فخذوها، وإن حكم بالرجم فاحذروا قبوله، وما لك تحزن عليهم؟
والحال أنه من يرد الله أن يختبره في دينه، ويظهر أمره ويكشف سره، فلن تملك له من الله شيئا يمنع ذلك، وهؤلاء المنافقون واليهود قد أظهرت فتنة الله لهم مقدار فسادهم، فهم الذين وضعوا أنفسهم للكذب ونقله وتحريف الكلم وكتمانه اتباعا لأهوائهم، ومرضاة لرؤسائهم وذوى الجاه فيهم، فلا تحزن عليهم ولا تطمع فيهم أبدا.
أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، ويزكى نفوسهم، لأن سنة الله في خلقه
وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا «1» وأن النفس إذا مرنت على السوء والشر لم يعد لها طريق للخير، ولا سبيل للنور!! لهم في الدنيا خزي بفضيحتهم وهتك سترهم، وظهور الإسلام والقضاء عليهم، ولهم في الآخرة عذاب عظيم هوله شديد وقعه.
ولا غرابة في ذلك فهم قوم سماعون للكذب، مروجون له، أكالون للسحت آخذون الرشوة، سباقون للمحرم، وهكذا كل أمة في طور انحلالها ينتشر فيها الخلق الرديء خاصة الكذب والبهتان والرشوة والسحت
…
فإن جاءوك فاحكم بينهم بما ترى، أو أعرض عنهم، قيل: هذا الحكم نسخ بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ «2» وقيل: هذا في غير أهل الذمة، أما هم فقانون الإسلام قانونهم.
وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا أبدا. وإن حكمت فاحكم بينهم بالعدل الذي لا شك فيه وهو قانون القرآن. وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ظاهر واضح، ثم هم يتولون ويعرضون من بعد ذلك. وما أولئك بالمؤمنين أبدا، ذلك أن أمرهم عجب. كيف يدّعون الإيمان بالتوراة، ولا يحكمون بها ويطلبون الحكم من غيرها؟؟ والأعجب من هذا أنهم تركوا التوراة لأنها لم توافق أهواءهم، وجاءوا يحكمون القرآن ثم تولوا وأعرضوا لأنه لم يوافق أهواءهم فهذا حالهم وديدنهم، وما أولئك بالمؤمنين أبدا.
أما نحن المسلمين فأخشى ما أخشى- وقد تركنا حكم القرآن، وجئنا نحكم أهواءنا بل وأحكام من ليسوا على ديننا وشاكلتنا- أن ينطبق علينا قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ «3» الظالمون الفاسقون!
(1) سورة الأحزاب آية 62 والفتح آية 23.
(2)
سورة المائدة آية 49.
(3)
سورة المائدة آية 44.