الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غضب المراد: ما أمروا به من قتل أنفسهم. وَذِلَّةٌ: خروجهم من ديارهم وهوانهم على الناس. نُسْخَتِها: ما نسخ وكتب منها. يَرْهَبُونَ الرهبة: الخوف الشديد.
المعنى:
داء التقليد يسرى في الأمة كما يسرى في الفرد من حيث لا يشعر، وبنو إسرائيل عاشوا مع المصريين دهرا طويلا وهم يعبدون الأصنام والأوثان من شمس وغيرها ولذلك كلما سنحت فرصة خاطفة عادوا إلى ما كانوا عليه، فمرة يقولون: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وقد مضى ذلك. وهنا عند ما فارقهم موسى لمناجاة ربه اتخذوا من حلى القبط التي استعاروها منهم. اتخذوا عجلا ذا جسد، وله خوار، اتخذوه إلها لهم، والذي اتخذه واحد منهم هو السامري، وإنما نسب إليهم جميعا لأنه عمل برأى جمهورهم، ولم يحصل منهم إنكار عملي فكأنهم مجمعون عليه.
وقد اختلف المفسرون في ذلك العجل، هل له لحم ودم وخوار حقيقة؟ أم هو تمثال من ذهب إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر. الرأى الأول لقتادة والحسن البصري وغيره، وتعليله أن السامري أخذ قبضة من أثر فرس جبريل فنبذها في جوف التمثال فحلت فيه الحياة وأصبح جسدا ذا روح وله خوار، ويؤيد هذا ظاهر القرآن الكريم.
والرأى الثاني أنه تمثال خواره بسبب الريح الذي يدخل فيه بكيفية فنية عملها السامري.
وهاك الرد على من اتخذ العجل إلها: ألم يروا أن هذا الإله لا ينطق، ولا يكلمهم بواسطة رسول كموسى، ولا هو يهديهم إلى خير أبدا؟ فهل يعقل أن يكون هذا إلها؟!! والإله الحق هو الله- سبحانه وتعالى لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته، وهو الهادي إلى الخير والرشاد بما ركب من العقول، وبما أرسل من رسل.
اتخذوه بلا دليل ولا برهان، بل عن جهل وتقليد وهكذا كانوا ظالمين في كل أعمالهم.
ولما تبين لهم وجه الحق ندموا ندما شديدا، وازدادت حسرتهم لما فرطوا في جنب الله
وسقط في أيديهم، وهذا تعبير لم يسمع قبل القرآن ولا عرفته العرب قبل هذا، وهو كناية عن الندم والحسرة، وذكرت اليد، وإن كان الندم في القلب لأن أثره يظهر فيها بعضّها أو بالضرب بها على أختها فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [الكهف 42] .
ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ضلالا بعيدا بعبادة العجل قالوا: لن يسعنا بعد هذا إلا رحمة ربنا ومغفرته، فقد وسعت كل شيء، وإن لم يغفر لنا ربنا لنكونن من الخاسرين في الدنيا والآخرة.
هذا ما حصل من موسى بعد رجوعه إثر بيان ما حصل من قومه في غيابه.
ولما رجع موسى إلى قومه بعد غيابه في الطور للمناجاة، ورجع غضبان شديد الأسف والحزن قال: بئسما فعلتم بعد غيبتي حيث عبدتم العجل واتبعتم السامري، وتركتم عبادة الله، فالخطاب للسامري وأشياعه، ويجوز أن يكون الخطاب للكل، والمعنى: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم، فقد كان موسى في خلافته شديد الشكيمة قوى العزيمة، لقنهم التوحيد الخالص، وردهم حين طلبوا منه أن يجعل لهم إلها كغيرهم.
أما هارون فقد رأى موسى منه أنه لين العريكة غير حازم في أمره فظن به الظنون.
قال موسى: أعجلتم أمر ربكم؟ قال الزمخشري: المعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظاري حافظين للعهد، ولما وصيتكم به فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره عند تمام الثلاثين ليلة، ولم أرجع إليكم فحدثتم أنفسكم وغيرتم عقائدكم كما غيرت الأمم بعد موت أنبيائها. وكان من أمر موسى أن ألقى الألواح، وطرحها من يده وأخذ بشعر رأس أخيه يجره إليه ظنا منه أنه قصر في خلافته له، ولم يكن مثله مع أن حق الخليفة أن يتتبع سيرة سلفه قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا. أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي؟ [سورة طه الآيتان 92 و 93] .
قال هارون: يا ابن أمّ إن القوم استضعفوني ولم يسمعوا لكلامي وهموا بقتلى، فيا ابن أمّ لا تجعلهم يشمتون بي من كثرة اللوم والتقريع، ولا تجعلني في عداد الظالمين.
قال موسى: رب اغفر لي ما عساه فرط منى من قول أو فعل فيهما غلظة وجفوة
لأخى، واغفر لأخى ما عساه أن يكون قد فرط في خلافته لي ومؤاخذته القوم حين ضلوا.
وأدخلنا في رحمتك الواسعة وأنت أرحم الراحمين، وقد دعا موسى بهذا ليظهر لمن شمت في أخيه أنه راض عنه، وليرضى أخوه عنه ويزيل ما في نفسه إن كان
…
والآية صريحة في أن هارون برىء من اتخاذ العجل إلها، وأنه لم يقصر في وعظهم، وقد غفر الله له، وهذا بخلاف ما في التوراة من أن هارون هو الذي صنع العجل لهم واتخذه إلها.
إن الذين اتخذوا العجل بعد ما غاب عنهم رسولهم موسى- عليه السلام من بنى إسرائيل كالسامرى وأشياعه. سيصيبهم غضب شديد من ربهم فلا تقبل توبتهم إلا بقتل أنفسهم فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة البقرة آية 54] هذا في الدنيا، وأما الغضب في الآخرة فلا يعلمه إلا هو.
وسينالهم ذلة في الحياة الدنيا بخروجهم من أوطانهم، وتهالكهم على حب الدنيا، وهوانهم على الناس، إذ هم الماديون الأنانيون المطرودون في كل أمة، أليست هذه هي الذلة في الدنيا بأعظم معانيها؟! ولا يغرنكم ما هم فيه في فلسطين الجريحة فإن ذلك سحابة صيف عن قريب ستنقشع غيومها، فالله صادق في قوله: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [سورة البقرة آية 61] بكل معانيها القريبة والبعيدة.
وأملنا في الله- سبحانه وتعالى أن يهيّئ للمسلمين جميعا وللعرب خاصة الظروف التي بها يطردون اليهود المغتصبين لفلسطين حتى لا تقوم لهم دولة.
ومثل ذلك الجزاء الذي نزل على الظالمين من بنى إسرائيل نجزى القوم المفترين الظالمين.
وهاكم القانون العام السمح حتى لا ييأس مذنب أسرف على نفسه فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها توبة نصوحا خالصة لوجه الله مع العمل