الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
مُهَيْمِناً: رقيبا حافظا لما تقدّمه من الكتب وشاهدا عليه. شِرْعَةً الشرعة في اللغة: الطريق الذي يتوصل به إلى الماء. والطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى النجاة، وفي لسان الشرع: ما شرعه الله لعباده من الدين وأحكامه. وَمِنْهاجاً:
طريقا مستمرا واضحا. فَاسْتَبِقُوا: تسابقوا وسارعوا إلى الطاعات. أَنْ يَفْتِنُوكَ: أن يميلوا بك من الحق إلى الباطل.
المناسبة:
فيما مضى تكلم القرآن عن التوراة والإنجيل وما فيهما من نور وهدى وموعظة للمتقين، أما القرآن الكريم والدستور المبين الذي نزل على الرسول الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين فها هو ذا.
المعنى:
وأنزلنا إليك يا محمد الكتاب الكامل، الذي يحق أن يطلق عليه اسم الكتاب فقط،
ذلك الكتاب، لا ريب فيه، هدى للمتقين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. أنزلناه عليك ملتبسا بالحق داعيا إليه، مؤيدا به مشتملا عليه، مقرا له، مصدقا لما بين يديه من الكتب كالتوراة والإنجيل. إذ قال: هما من عند الله، وإن موسى وعيسى رسولان من عنده، لم يفتريا على الله كذبا وبهتانا، وإنما حرفتم أنتم وآباؤكم، وكتمتم ونسيتم كثيرا مما أوتيتم. حالة كونه مهيمنا على جنس الكتاب المنزل على الرسل السابقين رقيبا عليه. حيث بين حقيقة هذه الكتب وشهد لها بالصحة وبين عمل أصحابها فيها من نسيان وتحريف، فها هو ذا قد حفظها وهيمن عليها وأظهر حقيقتها للناس.
وإذا كان هذا شأن القرآن ومنزلته. فاحكم يا محمد وكذا كل حاكم. احكم بينهم بما أنزل الله، فهو واحد لم يتغير في القرآن والإنجيل والتوراة. على أن ما في القرآن كان ناسخا للكل متمما شاملا وما قبله كان كالمقدمة.
ولذلك قال: احكم بينهم بما أنزل الله، فإنه الحق الذي لا محيص عنه. والمشتمل على جميع الأحكام الشرعية التي تصلح للعالم إلى يوم القيامة.
ولا تتبع أهواءهم فيما حرفوا وبدلوا. من حكم الرجم والقصاص في القتل، والمعنى: لا تعدل عما جاءك من الحق متبعا لأهوائهم لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً قال الآلوسي ما معناه: وهذا استئناف مسوق لحمل أهل الكتاب المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم على الانقياد لحكمه. واتباع شرعه. ذلك أنهم كلفوا بالعمل بالقرآن دون غيره من الكتب، لكل أمة منكم أيها الناس- الشاملون للموجودين أيام النبي صلى الله عليه وسلم والسابقين لهم أيام موسى وعيسى- وضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بتلك الأمة لا تكاد تتخطاهما، فالأمة من بنى إسرائيل التي كانت موجودة من مبعث موسى إلى مبعث عيسى شرعتها التوراة، وهم من مبعث عيسى إلى مبعث محمد شرعتهم الإنجيل، والأمة من الناس أجمعين من مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة شرعتها ومنهاجها القرآن لأن محمدا خاتم الأنبياء، وأرسل للناس جميعا إلى يوم القيامة ودستوره أتم دستور وكتابه أكمل كتاب، وليست هذه دعوة، وإنما الواقع يؤيد ذلك.
ولو شاء الله أن يجعلكم أمة واحدة، لها دين واحد وكتاب واحد ورسول واحد
لجعلكم كذلك، ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء غيره. ليعاملكم- سبحانه وتعالى معاملة من يبتليكم فيما آتاكم من الشرائع لحكم إلهية يقتضيها كل عصر.
إذا كان الأمر كذلك فسارعوا إلى مغفرة من ربكم وتسابقوا في عمل الطاعات، واعلموا أن المرجع إلى الله وحده وإليه المصير! فينبئكم بما كنتم تختلفون، وسيجازيكم على ذلك كله.
وأنزلنا إليك الكتاب: وأنزلنا أن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، وقد كرر الأمر بالحكم بالقرآن لأن الاحتكام إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان في حادثة الرجم وحادثة القصاص في القتلى.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس: قال كعب بن أسد وعبد الله بن صوريا وشاش بن قيس من اليهود: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك عرفت أنا أحبار يهود وأشرفهم وسادتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قوم خصومة، فنخاصمهم إليك، فتقضى لنا عليهم ونؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله- عز وجل وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك
…
الآية.
فكانت إقرارا للنبي صلى الله عليه وسلم على ما فعل، وأمرا بالثبات على الحق وعدم الانخداع بأقوال هؤلاء وأمثالهم.
فإن تولوا وأعرضوا، فلا يهمنك أمرهم ولا تبال بهم، واعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وهو التولي والإعراض. أما بقية ذنوبهم وما أكثرها فلهم عذاب أليم، والله أعلم به، وإن كثيرا منهم لفاسقون وخارجون عن حدود العقل والدين والمروءة.
عجبا لهؤلاء! أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل الله وهو الحكم العدل والرأى الوسط الرشيد. فيبغون حكم الجاهلية؟ لعجب وأى عجب هذا؟! أهناك من يترك دستور الرحمن وهدى القرآن لرأى الجاهلية الحمقاء؟ وما كانوا عليه من التفاصيل وضياع الحقوق.
ولعمري نحن الآن وقد تركنا ديننا ونبذنا دستورنا، لأنّا أشدّ من هؤلاء! إذ هم خارجون عن الإسلام لا يعترفون به كدين إلهى أو على الأقل لا يعرف حقيقته إلا أحبارهم، أما نحن فندعى الإسلام، ونأمل في الجنة وثواب الله، ومع هذا تركنا حكم