الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
أحل الله لنا أكل الطيبات من الرزق واستثنى الخمر وما شاكلها، وهنا أضاف لها الصيد في الإحرام وبيّن جزاءه.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله: ليبلونكم الله، وليعاملنكم معاملة من يختبركم بشيء من الصيد، أى: بعض منه وهو صيد البر لا صيد البحر، اختبركم بإرساله بحيث يسهل تناول بعضه بالأيدى، وبعضه بالرماح، وكيف لا يكون هذا اختبارا وابتلاء؟
والمصيد طعامه لذيذ، واصطياده حبيب إلى النفس في الأسفار، فإذا أضيف إلى ذلك كثرته وعدم تأبّيه، كان هذا اختبارا وأى اختبار؟ يفعل الله هذا، ليعلم علم ظهور وانكشاف من يخافه بالغيب، ومن يخافه أمام الناس فقط، كالمنافقين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم والله عالم بكل شيء، ولكن يريد ليطهركم، وليتم نعمته عليكم بالامتثال.
فمن اعتدى منكم بعد ذلك البيان، فله عذاب شديد في الدنيا والآخرة.
يا أيها الذين اتصفتم بالإيمان، وصدقتم الرسول، وآمنتم بالقرآن، لا تقتلوا صيد البر، وهذا النهى هو الابتلاء المذكور في الآية السابقة، لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة أو في مكان الحرم وإن لم تحرموا، وذلك إجلالا للحج وشعائره، واحتراما للمكان وهيبته، إذ هو مباءة للناس والطير وأمن لهم، وهذا في الحرم المكي، أما الحرم المدني فلا يجوز فيه الاصطياد لأحد ولا قطع الشجر كحرم مكة فإن فعل هذا أحد أثم ولا جزاء عليه عند مالك والشافعى،
ورد عن رسول الله في الصحيح «اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإنى أحرم المدينة مثل ما حرم به مكة لا يختلى خلاها (الخلى:
النبات الرقيق ما دام رطبا، ويختلى: يقطع) ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها» .
ومن قتله منكم عامدا قاصدا له، فعليه جزاء من النّعم مماثل له في هيئته وصورته، إن وجد المثل وإلا فقيمته، وقيل: يقوّم من أول الأمر، واعلم أن ما يجزى من الصيد شيئان دواب وطير، فيجزى ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصورة ففي النعامة
بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الظبى شاة
…
إلخ على ما هو مذكور في كتب الفقه وفي الطير قيمته إلا حمام مكة فإن الحمامة شاة اتباعا للسلف في ذلك.
وقد ورد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في الضبع إذا أصابه المحرم كبش، وفي الظبى شاة، وفي الأرنب عناق» «1»
والعناق: الأنثى من المعز لم تبلغ سنة.
واعلم أن الآية الكريمة، أفادت أن القتل العمد فيه الجزاء، والسنة النبوية أفادت أن الخطأ كذلك، عن سعيد بن جبير: لا أرى في الخطأ شيئا. أخذا بظاهر الآية والله أعلم بكتابه.
والصيد الذي نهت عنه الآية: كل حيوان وحشي يؤكل لحمه، فلا شيء في قتل الحمار الأهلى مثلا، ولا ما لا يؤكل لحمه من السباع، والحشرات، والفواسق كالحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور، وألحق مالك بالكلب الذئب والأسد والنمر.
ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم: يحكم به اثنان ذوا عدل منكم من أهل المعرفة والعدل من المؤمنين، وإنما احتجنا للتحكيم لأن المماثلة بين النعم والصيد، ما تخفى على كثير خصوصا في هذه الأيام، وقد توالدت أشكال وأصناف من الحيوان والطيور، وما لا مثل له يحكم فيه بالقيمة.
فجزاء مثل ما قتل من النعم هديا بالغ الكعبة، وأصلا إليها، يذبح عندها ويفرق على مساكين الحرم.
نعم عليه جزاء مماثل لما قتل أو كفارة هي أن يقوّم الصيد الذي أصابه فينظركم ثمنه من الطعام؟ فيطعم لكل مسكين مدّا أو يصوم مكان كل مد يوما.
وعند أبى حنيفة يقوّم الصيد أوّلا وجد له مثل أولا والآية لا تمنع هذا. روى ابن جرير عن ابن عباس قال: إذا قتل المحرم شيئا من الصيد فعليه فيه الجزاء، فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه ذبح شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
أوجبنا هذا ليذوق عاقبة أمره وسوء فعله، حيث هتك حرمة الإحرام وعفا الله عما سلف قبل نزول الآية.
(1) أخرجه البيهقي 5/ 183.