الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصَّاغِرِينَ الصغار: الذلة والهوان. أَنْظِرْنِي: أمهلنى. فَبِما أَغْوَيْتَنِي: فبما أوقعتنى في الغواية وهي ضد الرشاد. مَذْؤُماً: معيبا أو مطرودا، من: ذأم الشيء: عابه. مَدْحُوراً: مطرودا مبعدا.
بعد أن أبان الله حقيقة الدين وكتابه، وأنه واجب الاتباع دون غيره من الأولياء والشركاء والأهواء، مع ذكر عقاب الدنيا والآخرة.
أردف ذلك بذكر نعم الله على بنى آدم الموجبة للشكر ترغيبا في الامتثال، وبيانا لمكانة الإنسان.
ذكرهم ربهم بنعمه العظيمة على آدم وذريته وهذه نعم أخرى تبين مكانتهم بالنسبة لغيرهم، وخاصة الملائكة، وهي موجبة لعبادة الله وشكره.
المعنى:
يقسم الله- سبحانه وتعالى لقد مكن لكم في الأرض، وخلق لكم ما فيها جميعا، إذ جعل أمكنة تقرون عليها وتستقرون بها في الدنيا، وجعل فيها المعايش التي تقوم عليها حياتكم من نبات وزرع، وفاكهة وثمر، وماء وسمك وجواهر، وحيوان، بل كل ما في الأرض وما عليها مذلل لكم، وهذه المخترعات التي مكنت لكم في الأرض حتى تغلبتم على كل ما فيها، فلم يعد هناك حاجز من بحار وجبال وصحارى وسهول، بل طار الإنسان حتى كاد يصل إلى القمر والكواكب.
كل ذلك يقتضى الشكر، ولكن الشكر من العباد قليل وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ولذا اختتمت الآية بهذا المعنى.
وشكر النعم يكون بمعرفة الله معرفة تامة، وحمده، والثناء عليه بما هو أهله، وأداء حقوق النعم وصرفها فيما خلقت له، بهذا يتحقق الخير، وتتحقق السعادة في الدارين.
ولقد خلقنا أباكم آدم من الصلصال والحمأ المسنون، أى: من الماء والطين اللازب، ثم جعلنا من تلك المادة بشرا مستويا على أتم صورة، وللعلماء آراء في تخريج الآية والأحسن كما قال القرطبي: إن آدم خلق من طين، ثم صور وأكرم بالسجود، وذريته صوروا في الأرحام بعد أن خلقوا فيها وفي أصلاب الآباء.
ثم قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم سجود تعظيم وإجلال وتكريم لآدم وذريته حتى يعرفوا نعم الله عليهم، فيقابلوها بالشكران وليقفوا على ما فعله إبليس قديما ليكونوا على حذر منه.
فسجدوا جميعا إلا إبليس اللعين أبى واستكبر، ولم يكن من الساجدين، وكان إبليس من الجن ففسق عن أمر ربه، وعلى ذلك قيل: إنه ليس من جنس الملائكة، وخوطب معهم لأنه مخالطهم، وقيل: هو من الملائكة، كما هو ظاهر الآيات.
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ؟ وفي سورة (ص) آية 75 ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ فدل هذا على أن (لا) في هذه الآية صلة (زائدة) للتأكيد، وقيل: المعنى ما حملك ودعاك إلى عدم السجود؟.
قال إبليس معتذرا متعللا: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين، والنار عند إبليس خير من الطين لعلوها وخفتها وصعودها ونورها.
والذي هو خير لا يسجد لمن هو أقل منه وإن خالف أمر ربه: هذا قياس إبليس، وهو أول قياس، لكنه باطل، إذ كيف يستدل على الخيرية بمواد الأشياء؟! الخيرية إنما تكون بالمعاني والخصائص لا بالجنس والمادة: إذ أصل المسك دم الغزال وأصل العسل براز النحل، وأصل الماس كربون، وكيف يجهل إبليس ما حبا الله آدم به من العلوم والمعارف وتكريم الله له؟! ويرى بعض العلماء أن هذه القصة تبين غرائز البشر، وطبائع الملائكة، وموقف الجن منا، ولم يكن سؤال هناك ولا جواب، ولكن هذا يخالف ظاهر الكتاب، على أن ذلك أمر غيبي يجب الإيمان به، وندع معرفة الحقيقة لله وحده، ولا نشغل أنفسنا بأمور لا تدخل تحت طاقتنا، وليس فيها جدوى.
قال تعالى: إذا كان الأمر كذلك فاهبط يا إبليس من الجنة، فهي مكان المخلصين المتواضعين، فما يكون لك، ولا ينبغي منك أن تتكبر فيها، إذ هي المعدة للكرامة والتعظيم لا للتكبر والعصيان.
فاخرج إنك من الصاغرين الذليلين المهانين،
وجاء في بعض الآثار: «إن الله تعالى