الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟
قال: يرحم الله المحلقين.
قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟
قال: يرحم الله المحلقين.
قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟
قال: والمقصرين.
قالوا: فما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم؟
قال: لم يشكوا) (1).
وبعد الحلق هدأ عمر ومن معه من الصحابة .. لكن الذهول مازال يطوف برؤوسهم .. ومازالت صورة أبي جندل تلوح في دروبهم .. لم يكن أبو جندل وحده مأسورًا .. كان هناك الكثير غيره .. حتى حلفاء قريش كانوا قد أوثقوا من آمن منهم ..
وكان من هؤلاء المأسورين:
أسد يقال له: أبو بصير
قيده قومه ومنعوه من الالتحاق بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه .. واسمه: عتبة ابن أسيد بن جارية الثقفي .. ولم يكن الرجال وحدهم يعانون هذه المأساة .. ويتجرعون سموم الشرط الجائر .. النساء المستضعفات عانين الكثير .. تلك المؤمنة الطاهرة ابنة الطاغية الهالك: عقبة بن أبي معيط
(1) سنده صحيح رواه ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس. وعبد الله ثقة من رجال الشيخين (التقريب-1/ 456) وابن إسحاق لم يدلس.
واسمها: أم كلثوم .. تخطط للهرب من مستنقع الشرك وأسلاكه الشائكة .. فتنجح .. وعندما تصل هي وغيرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطالب أهلها بإرجاعها حسب نصوص المعاهدة لكن النبي صلى الله عليه وسلم يرفض إرجاع النساء المهاجرات.
ليس لأنه نقض عهده مع قريش .. إنه أكبر من ذلك .. لقد رد حذيفة ووالده يوم بدر .. ورد أبا جندل قبل قليل .. فلماذا لا يرد أم كلثوم ورفيقاتها من المؤمنات الهاربات من غابة الأصنام .. ؟
والإجابة هي أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد للمؤمنات ثغرة خلال النصوص .. ثغرة تتيح للمؤمنات التسلل من خلالها والهرب. فقد كان سهيل كغيره من المشركين لا يأبهون لشأن المرأة إلا حين تنتصب في أذهانهم رموز الغريزة .. ولذلك قال سهيل للنبي صلى الله عليه وسلم: (وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا)(1) وهذا النص - الشرط ينصب على الرجال فقط .. فالنساء لا يدخلن تحت طائلته .. فكان الفرج لأم كلثوم (لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لا يأتيك منا أَحد "رجل" وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فرد يومئذٍ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلمًا، وجاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممّن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم .. فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن:
(1) حديث صحيح رواه البخاري (2732).
{إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ (1) فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ} ) (2) تقول عائشة رضي الله عنها:
(إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)} فمن أقر بهذا الشرط منهن قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد بايعتك -كلامًا يكلمها به- والله ما مست يده امرأة قط في المبايعة وما بايعهن إلا بقوله) (3).
سمع عمر بن الخطاب تلك الآيات .. والقرآن يسري في عروق عمر لا يجد ما يعيق انسيابه .. والقرآن يتوهج داخل زواياه وأعماقه .. فاستجاب على الفور حيث تقول عائشة رضي الله عنها:
(لما أنزل الله تعالى: أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر
(1) حديث صحيح رواه البخاري (2711 - 2712).
(2)
سورة الممتحنة: الآية 10، وأكملت الآية للفائدة.
(3)
حديث صحيح رواه البخاري (2713) سورة الممتحنة.
من أزواجهم، وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بعصم الكوافر، أن عمر طلق امرأتين:
"قريبة بنت أبي أمية" و"ابنة جرول الخزاعي ".
فتزوج "قريبة": معاوية بن أبي سفيان، وتزوج الأخرى أبو جهم، فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم، أنزل الله تعالى:{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} والعَقَبُ: ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، فأمر أن يعطي من ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللاتي هاجرن، وما نعلم أحدًا من المهاجرات، ارتدت بعد إيمانها) (1) بالله ورسوله.
أما من هاجرن فلن يردهن صلى الله عليه وسلم للمشركين .. لأنه لا شرط بينهم في ذلك .. اقتنعت قريش ورضيت على مضض بذلك .. فبين يديها يتلبط أبو جندل في قيوده .. لم يلن أبوه سهيل لمرآه .. ولم يتذكر تلك القيود التي كان مكبلًا بها في حجرة سودة رضي الله عنها بعد أسره في غزوة بدر .. لقد أعماه الشرك عن الشعور بالقيود .. بل أعماه عن الشعور بالأبوة تجاه ابنه أبي جندل ..
سلم المسلمون والمشركون بالمعاهدة .. فتحولت أرض الحديبية إلى ساحة للسلام .. اختلط فيها الجميع: المؤمنون والكافرون .. ولا بد أن ذوي الأرحام والصداقات الماضية رأى بعضهم بعضًا .. ووصل بعضهم بعضًا .. لكن هناك من المشركين من لا ينفع معه عهد ولا ميثاق .. ولا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا .. هناك من تجثم بين أضلعه أحقاد ومخالب .. فحاول إفساد كل شيء.
(1) حديث صحيح رواه البخاري (2733).