الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كرر بث الحماس في أصحابه كما فعل في غزوة أحد فقال: من يأخذ الراية بحقها؟
"أخذ رسول الله الراية فهزها ثم قال: من يأخذها بحقها؟
فجاء الزبير فقال: أنا
فقال: أمط ثم قام رجل آخر فقال: أنا فقال: أمط ثم قام آخر .. فقال: أنا فقال: أمط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي أكرم محمد لأعطينها رجلًا لا يفر بها" (1).
صرح النبي صلى الله عليه وسلم بفارس هذا اليوم ونطق باسمه .. كان اسمًا غير مطروح ولا متوقع .. نظرًا لظروف هذا الفارس والحالة التي يمر بها .. فهو لم يشارك في أي سرية من السرايا .. وما أخرجه من المدينة سوى الشوق لنبيه صلى الله عليه وسلم وإلا فهو في حالة عذر عن القيام بأعباء الجهاد .. بل إنه عاجز تمامًا عن الجهاد .. رغم ذلك كله:
النبي صلى الله عليه وسلم ينادي عليًا
غدا الصحابة "على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يشتكي عينيه يا رسول الله .. فأرسلوا إليه فأتوني به"(2).
(1) سنده صحيح رواه ابن حنبل في فضائل الصحابة 2 - 617 وغيره من طريق إسرائيل عن عبد الله بن عصمة قال سمعت أبا سعيد الخدري. وعبد الله بن عصمة أبو علوان تابعى صدوق قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 5 - 126 سألت أبا زرعة عن عبد الله بن عصمة أبى علوان فقال كوفي ليس به بأس.
(2)
صحيح البخاري 3 - 1357.
كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه خارج قوائم الترشيح عند الصحابة .. حتى لقد قال سلمة بن الأكوع: "فإذا نحن بعلي وما نرجوه"(1).
وذلك لشدة الرمد الذي أصاب عينيه .. بل إن عليًا نفسه لا يتوقع ذلك .. وإلا لجاء مع الصحابة المتلهفين إلى الإمساك بالراية .. لقد كان عليًا مشغولًا بعينيه ومرضه .. لكن قوة إيمانه وعزمه حملاه على المشاركة المعنوية بعد أن تعذرت عليه المشاركة البدنية .. إن كرامة الله لعلي رضي الله عنه تشابه كرامته لعمرو بن الجموح وعبد الله بن حرام .. شيخان انتزعا نفسيهما من ظروف قاهرة وصعبة .. عمرو بن الجموح كان شديد العرج .. وعبد الله بن حرام لديه تسع بنات .. أما علي رضي الله عنه فقد قال لنفسه بعد أن غادر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه نحو خيبر "أنا أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم فلحق به"(2).
غدًا موعد لفتح جديد .. وغدًا ستشرق الشمس على أرض جديدة بالإِسلام .. وأرض جديدة للإسلام .. لكن ماذا عن فاتحها وهل هذه الصفات لا تنطبق إلا على رجل واحد فقط .. ؟ الصفات والأحداث تقول: لا .. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله .. وهذا الجيش ينعم كله بهاتين الصفتين .. لأنه جيش الحديبية الذي قال الله عنه: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِم مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} .
أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس بفرار .. فهذه الصفة يتزين أبو بكر وعمر
(1) صحيح البخاري ج: 3 ص: 1086.
(2)
مر معنا في أول الغزوة وهو صحيح.
وعلي وأبو عبيدة والزبير وابن عوف وابن عبادة والمقداد وأبو دجانة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم .. وغيرهم.
إذًا فهو تكريم من الله للفاتح غدًا .. كتكريمه لوالد جابر بن عبد الله في غزوة أحد .. ولا شيء يؤكد هذا مثل الشعور الذي انتاب الصحابة وهم ينتظرون ذلك الغد على أحر من الشوق .. هذا بريدة رضي الله عنه يتحدث عن مشاعر الصحابة فيقول: "فما منا إنسان له منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هو يرجو أن يكون صاحب اللواء"(1) ثم يتحدث رضي الله عنه عن مشاعره الخاصة فيقول: (وأنا فيمن تطاول لها)(2) ويقول سهل بن سعد: "فبات الناس يدكون ليلتهم أيهم يعطاها"(3) أما عمر بن الخطاب فيصف شوقه قائلًا: "ما أحببت الأمارة إلا يومئذ فتساورت لها رجاء أن أدعى لها"(4).
امتثل الصحابة فبعثوا سلمة بن الأكوع إلى علي .. فوجده على حال يرثى لها .. وصل "إلى علي وهو في الرحى يطحن"(5) لإخوانه المجاهدين .. فاكتفى علي بأن يكون خادمًا لنبيه وإخوانه. يقول سلمة رضي الله عنه: "فبعثني إلى علي وهو أرمد .. فجئت به أقوده"(6).
(1) حديث الحسين بن واقد السابق.
(2)
حديث الحسين بن واقد السابق.
(3)
صحيح مسلم 4 - 1872.
(4)
صحيح مسلم 4 - 1871.
(5)
سنده حسن رواه النسائي في الكبرى 5 - 179 والحاكم 3 - 143 الطبراني 12 - 98 وغيرهم من طريق الوضاح وهو أبو عوانة قال حدثنا يحيى وهو ابن أبي سليم أبو بلج قال حدثنا عمرو بن ميمون أن بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. عمرو بن ميمون ثقة مخضرم ويحيي صدوق ربما أخطأ ومن هو الذي لا يخطئ؟ التقريب: 2 - 401.
(6)
صحيح مسلم 3 - 1440.