الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التي تمر بمحاذاة الساحل .. في غزوة يحلو للبعض تسميتها:
غزوة سيف البحر
كان قائد هذا الجيش هو أمين الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح .. وكان ضمن ذلك الجيش كبار الصحابة منهم سعد بن عبادة .. وجابر بن عبد الله الذي يقص علينا بعض أحداث تلك الغزوة فيقول:
(بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة فخرجنا وكنا ببعض الطريق فني الزاد .. فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش .. فجمع فكان مزودي تمر فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة .. فقلت: ما تغني عنكم تمرة)(1) تمرة في اليوم الواحد مما اضطر ذلك الجيش إلى أكل نبات الخبط وهو علف للحيوانات .. ولذلك سمي ذلك الجيش فيما بعد: (جيش الخبط) .. يقول جابر رضي الله عنه لمن سأله عن تلك السرية: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمَّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرًا لقريش .. وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره .. فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة .. فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؛ قال: نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل .. وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله (2).
كان سعد بن عبادة وابنه قيس رضي الله عنهما يأكلان من أشجار الخبط وهي علف للإبل .. كانا يعانيان ما تعانيه تلك السرية ويشعران بما تشعر به .. فكأن لسيد الأنصار وابنه موقف عظيم .. الكرم الأنصاري يتدفق حتى يعانق أمواج البحر .. قام سعد بن عبادة بشراء مجموعة من
(1) صحيح البخاري 4 - 1585.
(2)
صحيح مسلم 3 - 1535.
النياق من أصحابها ثم سلمها لابنه قيس وأمره بنحرها للسرية التي أحرق أجوافها شجر الخبط .. يقول قيس رضي الله عنه: (كنت في الجيش فجاعوا قال: انحر قالك: نحرت .. ثم جاعوا .. قال: انحر .. قال: نحرت .. ثم جاعوا .. قال: انحر .. قال: نحرت ثم جاعوا .. قال: انحر .. قال: نهيت)(1) ترى كم نحر من ناقة جزور .. يقول جابر رضي الله عنه أن سعد بن عبادة رضي الله عنه (نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم إن أبا عبيدة نهاه)(2) لأن هذا الكرم الأنصاري ليس له حدود .. وسيقضي على مراكب السرية .. وقد تعودُ إلى المدينة على الأقدام إذا لم يتم إيقاف تدفقه .. كانت أياما عصيبة ومريرة .. كان فارسها سعد بن عبادة الكريم .. وكانت رحمة الله فوق ما يتصورون .. فقد رأى بعضهم صخرة كبيرة جداء .. وكانت سوداء وملساء تتمدد على الساحل .. اقترب الجميع منها فإذا هي ليست بصخرة .. إنها حوت عملاق يسمونه العنبر .. كان ميتا ينبض بالحياة لهذه السرية .. وقد فرح الجميع بهذه المفاجأة السارة وشكروا الله عليها .. لكن أبا عبيدة تذكر أن الميتة لا تجوز .. ثم تذكر كم يفتح الإِسلام من أبواب الفرج في أشد ساعات الضيق .. تذكر أن هناك ضرورة الإبقاء على هذه الأرواح والأجساد المنهكة .. فسموا الله وكلوا واستخرجوا من زيت الحوت وشربوا دهنوا أجسادهم المتعبة وشعورهم الشعثة .. لمدة تقارب الشهر .. ثم قاموا بقياس ارتفاع أحد أضلاعه فغرز الضلع .. ثم نادى أطول رجل في تلك السرية وأمره بأن يركب أرفع جمل أيضًا .. ثم أمر بالمرور فمر تحت تقوس ذلك الضلع العملاق .. يقول جابر رضي الله عنه وهو يتحدث عن تلك
(1) صحيح البخاري 4 - 1585.
(2)
صحيح البخاري 4 - 1585.
المشاهدات العجيبة: (انطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر قال أبو عبيدة: ميتة .. ثم قال: بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم .. فكلوا)(1)(فأكلنا نصف شهر وادهنا بودكه حتى صلحت أجسامنا)(2)(حتى سمنا ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن .. ونقتطع منه القدر كالثور أو كقدر الثور .. فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا فأقعدهم في وقب عينه .. وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها)(3) وبعد مرور نصف شهر من عثورهم على هذا الحوت الهائل أمر أبو عبيدة جنده بالعودة للمدينة فقد أدوا المهمة التي أرسلوا من أجلها .. وعادوا أحسن أجسادًا وأكثر قوة .. ثم اقتطعوا ما قدروا على حمله من بقايا لحم الحوت .. ولما وصلوا إلى المدينة أخبروا نبيهم صلى الله عليه وسلم بذلك ففرح بفضل الله عز وجل على جنده .. وطلب منهم أن يطعموه من ذلك اللحم الطيب .. يقول جابر رضي الله عنه: (وتزودنا من لحمه وشائق فلما .. قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا .. فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكله)(4).
أما قريش فقد شعرت بخطورة الوضع بعد تلك السرايا وبعد غزوة بني المصطلق .. فلا بد من التحرك .. ولا بدّ من حسم الأمر قبل أن يستشري الخطر .. وتفاجأ قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم وجيشه يطوفون حول الكعبة
(1) صحيح مسلم 3 - 1535.
(2)
صحيح البخاري 5 - 2093.
(3)
صحيح مسلم 3 - 1535.
(4)
صحيح مسلم 3 - 1535.