الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وسواءً كانوا ثقالًا كالجبال على أرض ميطان أو كانوا أثقل من ذلك .. فقد اجتثوا من جذورهم المتعفنة .. وطهر الموحدون تلك الأرض منهم ومن شركهم .. وإذا كان لهم من لوم فليلوموا أنفسهم .. هم الذين اختاروا سعدًا فكان لهم ما أرادوا ..
أما سعد فقد توجه إلى المسجد .. إلى خيمته المنصوبة فيه .. ولما استقر فيها توجه بدعاء كله شوق إلى الله .. دعاء يفيض بسر المؤمن إذا تألق بالإيمان .. فسعد حكم على مقاتلي قريظة بالموت .. ثم تمنى الموت شهيدًا بجرحه ذلك .. ما هذا؟ .. إنه لم يسأل الله ولا رسوله شيئًا من أرض قريظة ولا أموالهم ولا نخيلهم ولا نسائهم .. إنه يسأل الله أن يقبض روحه .. بجرحه حتى يكون شهيدًا من شهداء الخندق .. أما ما عدا ذاك فحطام .. وسعد أكبر من الحطام .. أراد الشهادة لأنه ما أسلم وترك الأوثان إلا من أجل تلك العوالم الساحرة المرفوفة في الجنة .. فما هو
دعاء سعد بعد قريظة
تقول عائشة -وقد احتفظت رضي الله عنها في ذاكرتها لسعد بالكثير الجميل- فهو الذي دافع عنها وعن عرضها في قصة الإفك الآثمة .. تقول رضي الله عنها:
(إن سعدًا كان قد تحجر كلمه (1) للبرء، فدعا سعد فقال:
اللَّهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهد فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللَّهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان من حرب قريش شيء، فأبقني لهم حتى أجاهدهم فيك،
(1) جرحه.
وإن كنت قد وضعت الحرب فيما بيننا وبينهم، فافجرها واجعل موتتى فيها.
ففجر من ليلته فلم يرعهم (1) .. ومعهم في المسجد أهل خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم.
فقالوا: يا أهل الخيمة .. ما هذا الدم الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد جرحه يغذو (2) دمًا) (3) ولما (ثقل حولوه عند امرأة يقال لها "رفيدة"، وكانت تداوي الجرحى، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر به يقول: كيف أمسيت؟
وإذا أصبح قال: كيف أصبحت؟ فيخبره.
حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها، فثقل، فاحتملوه، إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يسأل عنه، وقالوا: قد انطلقوا به.
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجنا معه، فأسرع المشى حتى تقطعت شسوع (4) نعالنا، وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، فشكا ذلك إليه أصحابه:
يا رسول الله .. أتعبتنا في المشي.
فقال صلى الله عليه وسلم: إني أخاف أن تسبقنا الملائكة إليه فتغسله كما غسلت حنظلة. فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت وهو يغسل، وأمه تبكيه وهى تقول:
(1) يفزعهم.
(2)
يسيل بشكل متواصل.
(3)
حديث صحيح رواه البخاري (4122) وتابع شيخه ابن سعد (3/ 849) واللفظ له.
(4)
سيور النعال التى تمسك النعال بالأصابع.
ويل أم سعد سعدًا
…
حزامة وجدّا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل نائحة تكذب إلا أم سعد. ثم خرج به.
يقول له القوم أو من شاء منهم: يا رسول الله .. ما حملنا ميتًا أخف علينا من سعد. فقال صلى الله عليه وسلم:
ما يمنعكم من أن يخف عليكم وقد هبط من الملائكة كذا وكذا، وقد سمى عدة كثيرة لم أحفظها، ولم يهبطوا قط قبل يومهم قد حملوه معكم) (1) توجه صلى الله عليه وسلم بصاحبه نحو البقيع .. فسبقه أبو سعيد وبعض الصحابة نحو البقيع لحفر القبر وإعداد اللبنات والماء .. طمعًا في ذلك الأجر العظيم الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم:
"من حفر له (2) فأجنه، أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة"(3).
وصل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى البقيع .. يقول أبو سعيد الخدري:
(1) سنده حسن رواه ابن سعد (3/ 427) أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد: هذا الإسناد حسن: محمود بن لبيد صحابي وتلميذه ثقة عالم بالمغازي -التقريب (2/ 385) وعبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة ثقة من رجال الشيخين، وجرحه غير مفسر بل هو مضطرب، فقد قال النسائى: ليس بالقوي، ومرة قال: لا بأس به، ومرة قال: ثقة .. أما توثيقه فمعتبر، قال إمام علم الرجال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال الدارقطني: ثقة، انظر التهذيب (6/ 190) وقال أحمد وابن معين: صالح .. وكلام ابن حبان غير معتبر فيه فمن تتبعي لجرحه وجدته يطلق هذا الحكم حتى على من ليس من الحديث إلا واحد أحيانًا (يخطئ كثيرًا .. أو يخطئ).
(2)
أي حفر لأخيه المسلم قبرًا.
(3)
صححه الألباني في الجنائز (51).
(فطلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فرغنا من حفرته ووضعنا اللبن والماء عند القبر، وحفرنا له عند دار عقيل اليوم، وطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعه عند قبره، ثم صلى عليه، فلقد رأيت من الناس ما ملأ البقيع)(1).
ولئن امتلأ البقيع بالناس فلقد زاحمهم فيه آخرون ليسوا من الناس .. جاؤوا كرامة لهذا المسافر الحبيب .. يشهدون توديعه والصلاة عليه ودفنه .. هبط من السماء سبعون ألف ملك فكانت الدنيا عرشًا يهتز .. وسماء مفتوحة .. وملائكة تهبط.
كل ذلك حدث من أجل ذلك الفارس الجسور .. والمؤمن الطهور .. المسافر بالقلوب .. سعد بن معاذ الأوسى الأنصاري ..
ها هو جابر الأنصاري يرى ويشاهد ويروي فيقول: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم: اهتز لها عرش الرحمن)(2)(اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)(3).
أما بعد دفنه رضي الله عنه فقد وقف صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه عن هذا الراقد .. الذي نحت الحب في قلوب المؤمنين .. ونحت العدل على جدران قريظة .. يحدثهم عما حدث له بعد دفنه فيقول:
(هذا العبد "الصالح" الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السموات، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لم ينزلوا الأرض قبل ذلك،
(1) سنده صحيح رواه ابن سعد (3/ 424) أخبرنا عفان ويحيى وأبو الوليد الطيالسي، أخبرنا شعبة أنبأني سعد بن إبراهيم: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدث عن أبى سعيد .. شعبة إمام وسعد تابعي ثقة من رجال الشيخين (التقريب-1/ 286) وأبو أمامة صحابى.
(2)
حديث صحيح رواه مسلم - فضائل سعد بن معاذ.
(3)
حديث صحيح رواه مسلم - فضائل سعد بن معاذ.
لقد ضم ضمة ثم فرج عنه) (1) وهى ليست ضمة عذاب إنما هي ضغطة القبر وضمته و (لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منها سعد)(2) وهى من الآلام التي تمر بالمؤمن وغيره .. مثل ألم خروج الروح .. وألم القيام من القبر .. وألم الموقف والورود على النار لكنها تخفف على المؤمن النقي .. وتشدد أحيانًا حتى يتطهر من بقية ذنوبه .. فينجو برحمة الله من النار أعاذنا الله منها ..
ودع صلى الله عليه وسلم سعدًا وبشر أحبابه بأنه من أهل الجنة .. ثم انصرف وهو مثقل بالحزن .. وانصرف الصحابة بقلوب حزينة وعيون تذرف الدموع على سعد .. وذكريات سعد .. بكى المهاجرون والأنصار .. وغمر طوفان الحزن الأوس على سيدهم .. ومرت الأيام طويلة وثقيلة على أم سعد .. وعلى أهل بيت سعد ..
كان سيفًا لا يفل على الباطل .. في كل وقت .. وفي كل مكان .. ومن مثل سعد .. وهو الذي سافر إلى مكة معتمرًا .. وهناك وحول الكعبة كاد يفتك بأبي جهل .. ولما حاول منعه أمية هدده بالموت ..
(1) سنده صحيح رواه ابن سعد (3/ 340) والنسائيُّ (4/ 100) من طريق عبد الله بن إدريس، حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر .. وهذا إسناد كالذهب .. نافع مولى عبد الله بن عمر تابعى مشهور وثقة ثبت فقيه -التقريب (2/ 296) وعبيد الله ثقة ثبت قدمه أحمد على مالك في نافع، التقريب (1/ 537) وعبد الله بن إدريس ثقة فقيه عابد من رجال الشيخين (2/ 401).
(2)
سنده صحيح رواه عقبة بن مكرم (سير أعلام النبلاء- 1/ 291) حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن عائشة. وصفية تابعية ثقة (التقريب-2/ 602) ونافع مر معنا وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ثقة فاضل عابد (التقريب- 1/ 286) وابن أبي عدي اسمه: محمَّد بن إبراهيم وهو ثقة: التقريب (2/ 141).