الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفينا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فأصابتنا مخمصة شديدة فانطلقت ألتمس المعيشة فألفيت قومًا يريدون ينحرون جزورًا لهم فقلت إن شئتم كفيتكم نحرها وعملها وأعطوني منها ففعلت فأعطوني منها شيئًا فصنعته ثم أتيت عمر بن الخطاب فسألني من أين هو فأخبرته فقال أسمعك قد تعجلت أجرك وأبى أن يأكله ثم أتيت أبا عبيد فأخبرته فقال لي مثلها وأبى أن يأكله فلما رأيت ذلك تركتها" (1) .. لم يبرر الجوع لأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وعوف رضي الله عنهم أن يتناولوا لقمة شكوا في إباحة مصدرها .. وكأن الصديق يجعل من جهالة تحديد أجرة الذبح مبررًا لتركها .. وكأنه يقول لعوف: أنه لا بد من تحديد الأجرة قبل القيام بالعمل المتفق عليه وحكمة الإسلام هي في إقصاء أسباب النزاع بين العامل وصاحب العمل لا سيما إذا كان الاثنان من المسلمين .. فالاقتصاد الإسلامي اقتصاد أخلاقي قبل كل شيء وليس كاقتصاد اليهود والمشركين الذين يتسم بالمراباة والاستغلال واللا أخلاقية لكن المدهش أن أبا بكر الصديق بعد هذا كله يقوم بسلب بعض أشياء رافع الطائي ..
أبو بكر الصديق يتمكن من سرقة رافع
السرقة هنا ليست على طريقة رافع الطائي بل على طريقة أبي بكر الصديق وفي وضح النهار وعلى مرأى من الجميع .. ففي تلك الأجواء
(1) سنده قوي رواه الإمام أحمد 6 - 24 والبيهقيُّ في الكبرى 6 - 120 والدلائل 4 - 404 والروياني 1 - 396 وغيرهم من طرق عن سعيد بن أبي أيوب وابن لهيعة جميعًا عن يزيد ابن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط أخبره عن مالك بن هدم يعني عن عوف بن مالك الأشجعى .. ابن لهيعة تابعه سعيد وهو ثقة ثبت من رجال الشيخين: التقريب 1 - 292 وشيخه يزيد تابعي ثقة فقيه من رجال الشيخين وشيخه ربيعة وكذلك مالك تابعيان وثقهما الإمام توثيقًا لفظيًا- 159 و 419.
والليالي الباردة جدًا كان دفء أبي بكر وعطفه يغمران رافعًا حتى أحس بقلبه ومشاعره بين يدي الصديق .. كان رافع مأخوذًا بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفيق عمره وكأنه قد هبط عليه من السماء .. يقول رافع: "لما كان غزوة ذات السلاسل قلت اللَّهم وفق لي رفيقًا صالحًا فوفق الله عز وجل أبا بكر رضي الله عنه فكان ينيمني على فراشه ويلبسني كساء له من أكسية فدك فإذا أصبح لبسه ولا يلتقي طرفه حتى يخله بخلال"(1)
أي يجمع طرفي ثوبه بعود أو إبرة ولذلك صار رافع ينادي أبا بكر: يا ذا الخلال ويواصل رافع حديثه فيقول "رافقت أبا بكر في غزوة ذات السلاسل وعليه كساء له فدكى يخله عليه إذا ركب ونلبسه أنا وهو إذا نزلنا"(2) كانت مشاعر أبي بكر الفياضة تعرف طريقها إلى أحوج الناس إليها ولم يكن هناك أحوج إلى الرعاية والعطف من هذا الشقي الهائم في البراري والجريمة .. قدم له أبو بكر كرمًا وخلقًا ساحرين جعلته يتعلق به دون غيره .. ومارس أبو بكر دور الداعية الناضج بالتربية المحمدية
(1) سنده صحيح رواه الضحاك في الآحاد والمثاني 4 - 442 حدثنا إبراهيم بن حجاج السامي ثنا عبد الوارث بن سعيد نا محمد بن جحادة عن طلحة بن مصرف عن سليمان الأحول عن طارق بن شهاب عن رافع الطائي قال وسليمان بن أبي مسلم تابعى ثقة من رجال الشيخين -التقريب 1 - 330 وتلميذه طلحة ثقة قارىء فاضل من رجال الشيخين -التقريب 1 - 380 ومحمَّد بن جحادة ثقة من رجال الشيخين انظر التقريب 2 - 150 وعبد الوارث العنبري بالولاء ثقة ثبت من رجال الشيخين 1 - 527 وشيخ الضحاك ثقة ومن رجال الشيخين كبقية رجال السند -التقريب 1 - 33.
(2)
سنده صحيح رواه ابن أبي عاصم في الزهد 1 - 108 حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا وكيع وأبو معاوية المعنى واحد قالا حدثنا الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب عن رافع بن أبي رافع الطائي قال .. في هذا السند أراني لا أحتاج لترجمة هؤلاء الأئمة سوى سليمان بن ميسرة وهو ثقة قاله ابن معين -الجرح والتعديل 4 - 143 وللحديث شواهد مرت أسانيدها.
السخية .. لم يحدثه عن الإسلام جعل أخلاق الإسلام تتحدث إليه .. تغطيه وتدفئه وتحنو عليه .. جعل أخلاق الإسلام تقله وتظلله حتى ذهل عن كل شيء سوى الإسلام .. استحضر دفاتره وحسابات عمره وأحصى ماله وما عليه فرأى بقلبه الذي ولد اليوم على يد أبي بكر أشياء جميلة ورائعة تمر بين يديه وهو غافل عنها .. رأى بذلك القلب كم هي المسافة بينه وبن هؤلاء القوم الذي يتولى بنفسه إرشادهم إلى دربهم .. هي المسافة بين من يحلق في الأجواء وبين من ينحشر في الجحور .. رايات سوداء لكن القلوب بيضاء ترفرف في سعادة غامرة .. لا خمر لا سباب لا بغضاء ولا عداوة .. نظافة وطهارة وانتظام وصلاة وحب لا مثيل له .. أما هو فسطو وقتل ونهب وغدر وخمر وفر وحياة أذل من حياة حيوان تطارده كل وحوش الأرض ..
تلك هي حال رافع الطائي وهو يرافق جيش الإسلام حتى اقتربوا من جيش المشركين عندها بدأت ملامح الدهشة تحدق بعمرو بن العاص الذي بدأ يتصرف بغرابة أثارت الكثير من الجيش مما حدا بعمر بن الخطاب إلى التوجه نحو عمرو بن العاص ليطالبه بتفسير مقنع أو ليوقفه عند حد يراه عمر ومن معه رضي الله عنهم .. يقول أحد الصحابة: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو أن لا ينوروا نارًا فغضب عمر وهم أن ينال منه [قال عمر لأبي بكر لِمَ لَمْ يَدَعْ عمرو الناس أن يوقدوا نارًا؟ ألا ترى إلى هذا الذي منع الناس منافعهم؟ فقال أبو بكر دعه قائمًا ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا] فنهاه أبو بكر رضي الله عنه وأخبره أنه لم يستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك إلا لعلمه
بالحرب فهدأ عنه عمر رضي الله عنه" (1) والتزموا طاعة الأمير رغم فضل الكثير منهم عليه وسبقهم إياه في الدخول إلى الإسلام .. وكان أبو بكر رضي الله عنه أرفع الصحابة منزلة وأعلم الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلم الناس بمراده الذي خفي على كثير منهم .. لذا لجأوا إليه ووسطوه بينهم وبين عمرو بن العاص عله يأذن لهم بإشعال النار وسط هذا الزمهرير الذي لا يخففه سوى أكوام من الحطب واللهب .. فتوجه أبو بكر ليشفع لهم عند أميرهم فكان رد الأمير أشد من ذلك الزمهرير وأقسى .. لقد "منع الناس أن يوقدوا بليل نارًا فكلموا أبا بكر رضي الله عنه فقالوا: كلمه لنا فأتاه فقال: زملوك إلي لا يوقد أحد منهم نارًا إلا ألقيته فيها" (2)
إلى هذه المسافة وصلت الصرامة بعمرو بن العاص رضي الله عنه .. لم يأبه لتلك الوساطة التي تقدم بها خير الأمة رغم تقديره الشديد لصاحبها لكن يبدو أن لدى عمرو من المبررات ما يدفع به إلى هذا المستوى من الشدة .. وبالفعل فقد كان العدو على مقربة من جيش المسلمين الذي تأهب من الغد وأخذ أوامره وخططه من أميره لينفذها كما صدرت .. ودارت معركة كانت نهايتها للمؤمنين "فلقوا العدو فهزموهم"(3) وغنم المسلمون ذلك الجيش وهزموه ورأى عمرو ما بشره به رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه الحاكم 3 - 45 عن المنذر بن ثعلبة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما قال والزيادة لابن أبي شيبة 6 - 539 حيث توبع ابن إسحاق تابعه الإمام الثقة وكيع بن الجراح رحمهم الله جميعًا والمنذر ثقة انظر التقريب 1 - 274 وشيخه تابعى ثقة من رجال الشيخين التقريب 1 - 403.
(2)
سنده صحيح رواه في الآحاد والثاني 2 - 103: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي نا أبي ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص وهذا السند صحيح مر معنا في هذه القصة وسعيد ثقة ووالده صدوق وهما من رجال الشيخين.
(3)
سنده صحيح وهو جزء من الحديث السابق في الآحاد والمثاني 2 - 103.
منثورًا بين يديه وولت فلول الأعداء منهزمة ذليلة "فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم"(1) ونهي جيشه أن يلاحق تلك الفلول المنهزمة رغم هشاشتها وسهولة أخذها مما جعل الأمر أشد غرابة من منع إشعال النار .. لكن الصحابة لم يحتجوا هذه المرة واكتفوا بموقف أبي بكر المتعقل والملتزم .. كما اكتفى عمرو بهذا الانتصار ثم أمر أتباعه بالعودة فأطاعوه .. والجدير بالانتباه أن عمرًا لم يكن أميرًا حربيًا يجب الالتفاف عليه والوقوف عند أوامره العسكرية فقط بل هو إمام الجيش في الصلاة رغم وجود من يحفظ من القرآن أكثر منه ورغم وجود من هو أفضل منه ومع ذلك التزم أبو بكر وعمر ومن معهما الصلاة خلفه مما يؤكد أنه لا مكان في القيادة الإسلامية للعلمانية النصرانية فهي قيادة لا تفرق بين الدين والدنيا .. هما مفهومان متناغمان ومهمة القائد تكمن بتنقية الدنيا بالدين وبإشعالها به حيث لا مكان للرهبانية وتصوفها .. ولا للمادية البحتة التي تجعل الإنسان رقمًا أو كتلة تحتل حيزًا من هذا الكون .. في ضوء هذا المبدأ كان عمرو بن العاص الأمير يؤم الناس في صلاتهم وجهادهم وذات ليلة من تلك الليالي القاتلة البرودة احتلم عمرو بن العاص ولما نهض لصلاة الفجر وجد لزامًا عليه أن يستحم .. لكن الماء بارد والجو أبرد وحتى لو قام بعملية تسخين الماء فالتسخين لن يزيل ضرر الاستحمام وسط هذا الجو الزمهريري القارس .. في مثل هذه الأحوال تتداعى الحلول من كل جهات الأرض والسماء .. يقول عمرو: "احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي
(1) سنده صحيح وهو جزء من الحديث السابق في الآحاد والمثاني 2 - 103.