الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهرب إلى حصنه في أرض خبير وكأنه لم يفعل شيئًا .. إن خطر أمثال ابن أبي الحقيق أشد من خطر جيش بأكمله .. وخيانته لا يمكن أن تتوقف ما دام يعتبرها هو وأتباعه دينًا يتعبد الله بفعله ..
وإذا كان الطائف قد ضاق بالمغيرة .. فمكة تضيق الآن بداهية آخر .. وشجاع آخر وهو الآن يهرب منها. إنه:
عمرو بن العاص يهرب من مكة
كَلَّ دهاؤه وتفتت على حافة الخندق .. وعاد مكسورًا مع من عاد من قومه إلى مكة .. تأمل المكان الذي أوصله إليه شركه ودهاؤه .. فوجده بعيدًا جدًا عن المنطق .. وأدرك أن هذا النبي وهذا الدين أعظم من أي دهاء .. وأقوى من أي كيد .. توجه عمرو بن العاص وهو الرأس في قومه إلى حيث يلتجئ الضعفاء والمساكين .. توجه محمولًا بالعناد والحيرة إلى الحبشة حيث يلتجئ جعفر بن أبي طالب رضى الله عنه وأصحابه بعيدًا عن أيدي قريش .. ركب عمرو بن العاص سفينة قذفته في أرض الحبشة .. وأقام هناك إقامة متواضعة مقارنة بإقامة المؤمنين الذين يحظون بحب وحماية النجاشى ملك الحبشة رضى الله عنه .. وفي أحد تلك الليالي الحبشية لمح عمرو بن العاص جعفرًا رضى الله عنه فلحق به .. يقول عمرو:
(فلما كان ذا عشية لقيته في السكة، فنظرت خلفه، فلم أر خلفه أحدًا، فأخذت بيده .. فقلت:
تعلم أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فغمزني، وقال: أنت على هذا.
وتفرقنا .. فما هو إلا أن أتيت أصحابي، كأنما شهدوني وإياه، فما
سألوني عن شيء حتى أخذوني فصرعوني، فجعلوا على وجهى قطيفة، وجعلوا يغمونني بها، وجعلت أخرج رأسي أحيانًا حتى انفلت عريانًا، ما عليّ قشرة، ولم يدعوا لي شيئًا إلا ذهبوا به، فأخذت قناع امرأة عن رأسها فوضعته على فرجى، فقالت لي: كذا. وقلت: كذا -كأنها تعجبت مني-.
وأتيت جعفرًا فدخلت عليه بيته، فلما رآني قال: ما شأنك؟
قلت: ما هو إلا أن أتيت أصحابي، فكأنما شهدوني وإياك، فما سألوني عن شيء حتى طرحوا على وجهى قطيفة، غموني بها، أو غمزوني بها، وذهبوا بكل شيء من الدنيا حولي، وما ترى عليّ إلا قناع حبشية، أخذته من رأسها.
فقال جعفر: انطلق. فلما انتهينا إلى باب النجاشى، نادى: ائذنوا لحزب الله، وجاء آذنه، فقال: إنه مع أهله.
فقال: استأذن لي عليه، فاستأذن له عليه، فأذن له، فما دخل قال: إن عمرًا قد ترك دينه واتبع ديني، قال: كلا.
قال: بلى. فدعا آذنه فقال: اذهب إلى عمرو، فقال: إن هذا يزعم أنك تركت دينك واتبعت دينه. فقلت: نعم. فجاء إلى أصحابي حتى قمنا على باب البيت، وكتبت كل شيء حتى كتبت المنديل، فلم أدع شيئًا ذهب إلا أخذته، ولو أشاء أن آخذ من أموالهم لفعلت.
ثم كنت بعد من الذين أقبلوا في السفينة مسلمين) (1).
(1) سنده حسن رواه البزار (زوائد- 2/ 297): حدثنا محمَّد بن المثنى، حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عون، عن عمير بن إسحاق، حدثى عمرو بن العاص .. وقد مر معنا الحديث في المجلد الأول .. عمير بن إسحاق حسن الحديث .. قال ابن معين ثقة، وقال مرة: ليس =