الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والحجاج وحدود دولة الإِسلام التي تريد فرض هيبتها على من لا يؤمنون بأخلاقيات الجوار ولا رصيد عندهم لمفهوم العهود والمواثيق .. وبدأ الجميع ينعمون بأمن الطرق بعد تلك السرايا الناجحة إلا قوافل قريش
…
فأبو جندل وأبو بصير ورفاقهما المشردون في البراري الممنوعون من حق العيش بأمان في دولتهم وبين أحبتهم في المدينة .. والذين مارست قريش أقصى حالات التطرف في مصادرة حرياتهم .. كان هؤلاء يمارسون عنفًا مضادًا لكنه كان منضبطًا وموجهًا بدقة نحو سبب معاناتهم فقط دون غيره .. هذا الهدف المحدد هو قريش وقوافلها .. فقد أغلقت قريش أبواب الأرض دونهم حتى منعتهم من دخول المدنية .. وهذا العنف يبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم وتبرأ منه دولته لكنها لا تمنعه لأنه صراع من أجل البقاء والكرامة .. هو دفاع عن النفس وجزاء من جنس العمل لا أكثر ولا أقل .. مرت هذه الأحداث وغيرها ومرت الأيام والشهور فإذا عام كامل يكاد ينصرم .. وهذا يعني اقتراب نهاية عام على تاريخ عمرة الحديبية التي لم يتمكن المؤمنون من أدائها بعد أن منعتهم قريش وطلبت منهم العودة بعد عام .. وها هو الموعد يقترب والنبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالتهيئ للتوجه لأداء:
عمرة القضاء
أي العمرة البديلة لعمرة الحديبية حسب اتفاق الطرفين .. ولها استعد المسلمون وسط ظروف معنوية مرتفعة بفتح خيبر وعودة المهاجرين من
= قال حدثنا حيوة وذكر آخر قالا حدثنا أبو الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة وهذا إسنادٌ صحيحٌ عبد الله ثقة فاضل التقريب 1 - 462 وحيوة ثقة التقريب 1 - 208 وأبو الأسود هو الشهير بيتيم عروة محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل ثقة التقريب 2 - 185.
الحبشة .. أما المشركون فيعانون من الإحباط الشديد فمحمد يستولي على خيبر ودولته تتعاظم كل ثانية وسمعته سحابة عطر تطوف الجزيرة .. وأبو جندل ومن معه يقضون مضاجع قريش وقوافلها .. وقوائم ضحايا أبي بصير وأبي جندل تصل إلى قريش محملة بالنواح والعويل والندم على ذلك الشرط المكتوب بالغطرسة الوثنية .. وتسير قافلة المؤمنين ملتزمة بشروط قريش التي تقول:
"لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها"(1)
تسير قافلة المؤمنين ملتزمة بالسكينة والهدوء حسب الشروط والاتفاقية الموقعة بين الطرفين .. وتقترب من مكة الحبيبة فتشرع نوافذ الأرواح وأبواب للذكريات وأيام الطفولة والمعاناة .. آه ما أجمل مكة وأطيب ريحها .. لكن أصدقاء الفشل وأعداء النجاح يمارسون دومًا السخرية من المتفوقين عليهم ردمًا لهوة الإحباط التي يعانون منها .. وهو ما تتلفظ به قريش الآن بعد رؤيتها لمحمد وأصحابه في طرقات مكة ودروبها .. لكن النبي صلى الله عليه وسلم يجيد وأد السخرية في مهدها .. يحشو جوفها بجمر التفوق .. عبد الله بن عباس طفل يعيش في مكة مع والده العباس بن عبد المطلب كان هناك .. شاهد ما حدث وتحدث فقال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب قال المشركون إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة فجلسوا مما يلي الحجر وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى
(1) حديث صحيح رواه البخاري 4 - 1551.
المشركون جلدهم فقال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا قال ابن عباس ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" (1) و"إنما سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورمل بالبيت ليري المشركين قوته" (2) والرمل هو الإسراع في المشي وهي حالة وسط بين الركض والمشي ..
وإذا كان الرمل يغيض المشركين فإن الشعر كان يطوف حول الكعبة .. عبد الله بن رواحة أحد شعراء العصر والإِسلام كان لسانًا من اللهب يطوف حول الكعبة .. ويحرق ما تبقى من معنويات لقريش .. أغمدت السيوف لكن عبد الله بن رواحة لم يغمد شعره .. يقول "أنس: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله
…
اليوم نضربكم على تنزيله
ضربًا يزيل الهام عن مقيله
…
ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول الشعر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خل عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من نضح النبل" (3) وتحسبًا لأي مكروه يقول أحد الصحابة وهو ابن أبي أوفى "لما اعتمر رسول صلى الله عليه وسلم سترناه من غلمان المشركين ومنهم، أن يؤذوا رسول
(1) حديث صحيح رواه مسلم 2 - 923.
(2)
حديث صحيح رواه مسلم 2 - 293.
(3)
سنده صحيح رواه الترمذيُّ 5 - 139 وغيره من طريق عبد الرزاق أخبرنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت عن أنس، وجعفر بن سليمان صدوق زاهد من رجال مسلم التقريب 1 - 131 وثابت تابعي ثقة سمع من أنس انظر أيضًا النسائى 5 - 202 وفي السنن الكبرى أيضًا 2 - 383.