الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رفاقهما الخندق .. طوت تلك الطفلة البريئة تمراتها بطرف ثوبها .. ثم طوت الأرض .. لكن رجلًا صادفها في طريقها فأخذ منها التمر .. فأخذنا منها هذه القصة المعجزة .. إنها:
(ابنة بشير بن سعد، قالت: فبعثتني أمي بتمر في طرف ثوبي إلى أبي وخالي وهم يحفرون الخندق، فمررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناداني، فأتيته، فأخذ التمر مني في كفّيه، وبسط ثوبًا فنثره عليه، فتساقط في جوانبه، ثم أمر بأهل الخندق فاجتمعوا، وأكلوا منه، حتى صدروا عنه)(1)، وقد شبعوا من التمر وهم أكثر من ألف رجل .. شبعوا من ملء الكفّين من التمر .. معجزة تزيد الطاقة والإيمان .. قدّمها صلى الله عليه وسلم لمن يحفرون الخندق ..
تلك المعجزات تفتح أبوابًا جديدة من الفرح والفرج للمؤمنين .. وكأن ذلك الخندق ممر إلى الدنيا بأسرها .. والمعاناة في حفره معاناة ولادة النور وانتشاره .. أما بالنسبة للمنافقين .. فكان ذلك الخندق طوقًا يخنقهم .. هم كالكلاب ينتظرون من يمسك بطرف السلسلة ليتبعوه وهم يهزون أذيالهم منقادين أذلَّاء .. كانت المعجزات تغيظهم وتدفعهم إلى مزيد من العناد والكابرة .. لكن أشدّ ما أغاظهم عند حفر الخندق .. هو تلك المعجزة التي لهج بها صلى الله عليه وسلم ليس لمن يحفرون الخندق فقط .. بل لأبنائهم ولمن بعد أبنائهم .. ففي الوقت الذي يرتجف فيه المنافقون من الهلع .. كان صلى الله عليه وسلم يستبشر ويبشّر بـ:
فتح فارس والروم واليمن
(1) سنده صحيح رواه ابن اسحاق ومن طرقه رواه البيهقي (3/ 427): حدثنا سعيد بن ميناء، عن ابنة بشير بن سعد: وسعيد بن ميناء الحجازي مولى البختري .. أبو الوليد .. تابعي ثقة من رجال الشيخين -التقريب (1/ 306) وابنة بشير صحابية صغيرة.
يعد أصحابه بذلك وهو يضع الحجر على بطنه من الجوع .. يقول ذلك لأصحابه وهو يحفر خندقًا يدافع به عن دولته الصغيرة التي لا تتجاوز حدودها حدود هذا الخندق .. يبشّرهم وهم جياع .. بكنوز فارس والروم وقصور اليمن .. لأنه نبي .. ولأنها حقيقة قادمة كشمس الغد ..
يقول أحد المشاركين في الخندق:
(لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها المعاول.
فشكونا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآها أخذ المعول وقال: بسم الله، وضرب ضربة، فكسر ثلثها، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء الله. ثم ضرب الثانية، فقطع ثلثًا آخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض. ثم ضرب الثالثة، فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة) (1) .. وصحابي آخر لم يحضر الحادثة لكنه سمع من صحابي آخر فيقول: (إذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم:
دعوني فأكون أول من ضربها، فقال: بسم الله، فضربها، فوقعت فلقة ثلثها، فقال: الله أكبر قصور الروم وربّ الكعبة. ثم ضرب أخرى بأخرى، فوقعت فلقة، فقال:
الله أكبر قصور فارس، وربّ الكعبة. فقال عندها المنافقون:
(1) حديثٌ حسنٌ وسنده ضعيف رواه النسائي في الكبرى والبيهقيُّ (3/ 421) وسبب ضعفه هو ميمون الزاهري لكن الحديث حسن بما بعده وبأحاديث أخرى.
نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم) (1).
هؤلاء المنافقون هم الذين قال الله عنهم: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} (2)، أمر هؤلاء المنافقين محير ومزعج .. لا تدري ماذا يريدون .. ولا ما هو مبدأهم ولا هدفهم .. ولا تستطيع تمييزهم بسهولة ..
الكفر مرض والنفاق مرض .. وجسد الدولة الإسلامية يستطيع الاحتياط والوقاية من مرض الكفر .. لكن عندما يتسلّل هذا المرض إلى الداخل .. تبدأ رحلة طويلة ومريرة من العلاج وتناول الأدوية والعقاقير للقضاء عليه ..
وفي غزوة الخندق كانت الدولة الإِسلامية تحتاط بالخندق من الوثنيين .. لكن من الصعب القضاء عليهم وهم يتظاهرون بالإيمان .. لا سيما في هذا الوقت الذي انتهى صلى الله عليه وسلم وأصحابه من حفر الخندق .. ووصل فيه أحزاب الأصنام إلى مشارف المدينة .. وعسكروا أمام الخندق .. وبدأ حصار قاسٍ وشديد على المدينة .. عندها بدأ المنافقون يظهرون كالبثور الكريهة المتقيّحة على جسد المدينة .. في هذه الظروف الحرجة ظهر نفاقهم وكفرهم وحقدهم على النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة .. ومع ذلك كلّه تمتّع صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأكبر قدر من ضبط النفس .. وعدم التهوّر بإيقاع أي عقوبة على أولئك المنافقين .. الذين فاحت خيانتهم من خلال كلماتهم .. ونظراتهم وحركاتهم التي كانت تفتقد إلى أقلّ معاني الرجولة والنخوة .. ازداد الوضع حرجًا، فقرّر صلى الله عليه وسلم
(1) حديثٌ حسنٌ بما قبله ورجاله ثقات لكنني لم أعثر على ترجمة لنعيم بن سعيد فيما لدي من مراجع.
(2)
سورة الأحزاب: الآية 12.