الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال صلى الله عليه وسلم: "امضوا على اسم الله") (1) بعد أن أخذ برأي صاحبه الحكيم رضي الله عنه .. مضى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .. وكان هناك من يراقبهم من بعيد ولما صار النبي صلى الله عليه وسلم بين ضنجان وعسفان تسللت سرية خالد بن الوليد .. وكان خالد من القادة الأفذاذ الذين لا يتهورون بإلقاء جيوشهم في أتون محرق من الحماس والإيمان بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم .. لذلك فكر بطريقة ينقض فيها على المسلمين وهم غافلون .. شاهد خالد بن الوليد المؤمنين وهم يؤدون الصلاة .. لا يلتفتون .. لا يكلم بعضهم بعضًا .. ينسابون في خشوع غامر مع ربهم .. لا يشتغلون بشيء أثناء قيامهم وركوعهم وسجودهم إلا التوجه نحو الله .. هذا التوجه الذي أفرح خالدًا والمشركن معه .. لقد وجدوا في هذا الخشوع ثغرة ينقضون منها على جمع المؤمنين ليفنوهم .. ولذلك اتخذ خالد بن الوليد قرارًا بالهجوم على جيش الإِسلام وهم يؤدون صلاة العصر .. لكن شيئًا حدث .. وغير من طريقة الصلاة في تلك الظروف التي يحملق فيها الرعب من كل مكان على المؤمنين.
كيف صلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر
يقول أحد الصحابة رضي الله عنهم:
(نزل صلى الله عليه وسلم بين ضنجان وعسفان)(2) (فاستقبلنا المشركون عليهم خالد
(1) حديث صحيح رواه البخاري (4178).
(2)
حديث صحيح رواه النسائى (3/ 174) والترمذيُّ (3035)(والطبريُّ في التفسير- من طريق عبد الصمد، حدثنا سعيد بن عبيد الهنائى حدثنا عبد الله بن شقيق حدثنا أبو هريرة .. عبد الله بن شقيق تابعى ثقة وتلميذه سمع منه وهو صدوق .. وعبد الصمد بن عبد الوارث صدوق انظر التقريب (1/ 301 - 422 - 507).
بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم) (1).
ثم قالوا:
(إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم وهي "العصر" فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة)(2).
(فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح: فصففنا خلفه صفين .. ثم ركع فركعنا جميعًا ..
ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم .. فلما سجدوا وقاموا .. جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ..
ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ..
وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ..
ثم ركع صلى الله عليه وسلم فركعوا جميعًا ..
ثم رفع صلى الله عليه وسلم فرفعوا جميعًا ..
ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه .. والآخرون قيام يحرسونهم.
فلما جلس صلى الله عليه وسلم جلس الآخرون، فسجدوا فسلم بهم ثم انصرفنا.
فصلاها صلى الله عليه وسلم مرتين، مرة بعسفان، ومرة بأرض بنى سليم) (3) عندها
(1) سنده صحيح رواه أحمد (4/ 59) والطبرانيُّ (5/ 213)(5/ 216) وغيرهم من طريق منصور بن المعتمر عن مجاهد عن أبي عياش رضي الله عنه ومنصور ثقة ثبت لا يدلس - التقريب (2/ 277).
(2)
هو حديث أبى هريرة السابق.
(3)
هذا حديث أبى عياش الزرقي السابق.
أدرك المشركون أن لا سبيل إلى المؤمنين حتى في الصلاة .. فالصلاة وإن كانت خشوعًا واتجاهًا إلى الله بكل المشاعر .. إلا أنها لا تعني التسمر فالنبي صلى الله عليه وسلم يفعل أشياء كثيرة أثناء صلاته .. فهو يحمل الحسن رضي الله عنه في صلاته .. وينزل إذا أراد الركوع ثم يحمله ثانية إذا أراد القيام (1) ..
وتقول عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي والباب عليه مغلق، فجئت، فاستفتحت، فمشى ففتح لي ثم رجع إلى مصلاه)(2).
وكان صلى الله عليه وسلم يرد السلام وهو يصلى ولكن بالإشارة بالكف أو بالإصبع .. يقول صهيب الرومى رضي الله عنه:
(مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسلمت عليه، فرده إشارة بإصبعه)(3) وها هو يتدخل بين صلاته ليفك اشتباكًا بين طفلتين .. يقول أحد الصحابة رضي الله عنهم:
(جاءت جاريتان من بني عبد المطلب .. اقتتلتا، فأخذهما، ففرغ بينهما فنزع إحداهما من الأخرى)(4) ويقول أنس رضي الله عنه: (إن
(1) مر معنا عند الحديث عن الحسن رضي الله عنه.
(2)
سنده صحيح رواه أبو داود (922) وأحمدُ (6/ 31) والترمذيُّ (601) والطبرانيُّ في الشاميين (1/ 206) من طريق بشر بن المفضل حدثنا برد بن سنان عن الزهري عن عروة عن عائشة .. وبشر ثقة ثبت وبرد صدوق - التقريب (1/ 101 - 95).
(3)
سنده صحيح رواه أبو داود (925) والنسائيُّ في الكبرى (1/ 193) من طريق بكير عن ابن عمر عن صهيب ورواه في الكبرى من طريق آخر أيضًا: الليث عن أبي الزبير عن جابر وهذا السند صحيح دون علة.
(4)
سنده صحيح رواه أبو داود (716) وابن حبان (6/ 120) وابن خزيمة (2/ 47) وأبو يعلى (5/ 133) من طريق منصور بن المعتمر عن الحكم عن يحيى بن الجزار عن أبي الصهباء عن ابن عباس. وأبو الصهباء ثقة وليس كما توحي ترجمته في التقريب فقد وثقه العجلى لفظيًا وأبو زرعة وجرحه غير مفسر.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير في الصلاة) (1) وتقول عائشة: إنها كانت تنام وأرجلها أمام النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: (لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممتها إليّ ثم يسجد)(2).
إذا كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك وهو في ساعات السلام .. في داخل بيته .. فحمل السلاح في ساحات الحرب والخوف أدعى وأكثر ضرورة .. فهم المشركون أن الصلاة ليست تسمرًا وتحنيطات للأعضاء بل هي خشوع لا ينافي الشعور بما يجري حول الإنسان ..
أدرك المشركون ذلك .. وكان صلى الله عليه وسلم أذكى مما تصوروا فقد بث عيونه ترصد الأرض المحيطة بالمؤمنين ..
أما خالد فقد انسحب إلى مكان يقال له: كراع الغميم .. وجاءت عيون النبي صلى الله عليه وسلم تخبره فقال لأصحابه:
(إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق نذيرًا لقريش وسار النبي صلى الله عليه وسلم)(3).
وسارت من حوله عيونه .. ثم جاءته أخبار خالد مرة أخرى فأمر بتغيير طريق السير .. كل ذلك لأنه لم يخرج للقتال بل خرج لزيارة بيت الله وأداء العمرة .. لكن قريشًا تبحث عن المتاعب .. بينما كان صلى الله عليه وسلم يتجنبها .. حتى لقد سلك طريقًا وعرًا شاقًا كي يتجنب مواجهة قريش .. وفي ذلك الطريق الوعر لاحت ثنية صعبة التجاوز .. لكن النبي صلى الله عليه وسلم بشر الصحابة أن:
(1) حديث صحيح - السابق (1/ 177).
(2)
حديث صحيح رواه البخاري وأبو داود واللفظ له (712).
(3)
حديث صحيح رواه البخاري (2731).