الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النازفة فيدهش لكثرتها ويدهش لمواقعها .. فليس فيها على كثرتها طعنة أو رمية من الخلف .. يقول ابن عمر "أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره يعني في ظهره"(1) لأنه ليس بحاجة إلى الالتفات إلى الدنيا القابعة خلفه فقد عقر فرسه وعقر الدنيا معها وهو بحاجة شديدة إلى هذه الجنة التي يحاول شق جموع الروم المحتشدة كي يرتمي بين أحضانها .. وقد دخل الجنة بطريقة غير مسبوقة فقد شاهده النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فقال "رأيت جعفرًا ملكًا ذا جناحين"(2)
ولما عاد عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إلى المدينة "كان إذا سلم على ابن جعفر قال السلام عليك يا ابن ذي الجناحين"(3)
لكن قبل عودة عبد الله بن عمر ومن معه رضي الله عنهم حدث خلاف حول مسألة مادية هي أحقية الفارس بمتاع المقتول من الأعداء وكان:
الخلاف بين الصحابي اليمني وخالد بن الوليد
فبينما يطالب اليمني بكل سلب الرومي من سرجه المذهب وسيفه إلى فرسه الشقراء يرى قائد المعركة الجديد غير ذلك. وتدخل عوف بن مالك لحل الخلاف فلم يغير من الأمر شيئًا فكانت هذه القصة التي يرويها عوف نفسه وكان طرفًا فيها فيقول:
(1) صحيح البخاري 4 - 1553.
(2)
هذا الجزء من الحديث حسن وتخريجه طويل لذلك راجعه في موسوعة السيرة وهو عند الطبراني وابن سعد والحاكم وغيرهم.
(3)
صحيح البخاري 3 - 1360.
"كنت فيمن خرج مع زيد بن حارثة رضي الله عنه في بعث مؤتة فرافقني مددي من أهل اليمن ليس معه إلا سيفه، فنحر رجل من الجيش جزورًا له فاستوهبه المددي من جلده فوهب له فبسطه في الشمس على أطرافه فلما جف اتخذه كهيئة الدرقة وجعل له مقبضًا. ومضينا حتى لقينا الروم ومعهم من معهم من نصارى العرب فقاتلونا قتالًا شديدًا ومعهم رومي على فرس له أشقر عليه سيف مذهب وسلاحه مذهب فيه الجوهر وسرجه مذهب فجعل يغري بالناس فتلطف المددي فجلس له جانب صخرة فلما مر به ضرب عرقوبي فرسه فقعد على رجليه وخر عنه الرومي وعلاه المددي بالسيف حتى قتله وأخذ سلبه فأتى به خالد بن الوليد فلما فتح الله علينا أعطاه خالد بن الوليد السلب وأمسك منه فقلت يا خالد أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى .. فقلت: فلم لم تعطه السلب كله؟ قال: استكثرته .. قلت: لتردنه إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم -فأبى أن يرد عليه .. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خالد .. ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله .. استكثرته فقال رسول الله: صلى الله عليه وسلم يا خالد .. أعطه السلب كله .. فولى خالد ليفعل .. فقلت: كيف رأيت يا خالد ألم أف لك بما قلت لك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ فأخبرته .. قال: يا خالد .. لا تعطه شيئًا .. هل أنتم تاركوا لي أمرائي لكم صفوته وعليهم كدره؟ قالها مرتين أو ثلاثًا"(1)
لأن من حق الفرد مهما كان أن يشتكي أميره عند إمامه وأن يحتج ويبين وجهة نظره وأن ينكر الظلم ويحاول إزالته وهذا ما فعله عوف بن
(1) حديث صحيح مر معنا تخريجه وهو عند مسلم مختصر واللفظ لأبي عوانة 1 - 4240.
مالك رضي الله عنه لأن الأمير ليس معصومًا ولا مقدسًا ولا إطلاق في صلاحياته .. لكن ليس من حق المأمور التشفي والتحدي ووضع الغرض الشخصي ضمن أهداف تلك الأعمال النبيلة الراقية وهو ما أفسد جهود عوف رضي الله عنه لأن الأمور اتخذت منحى آخر يرفضه الإسلام .. تعلم الجميع من النبي صلى الله عليه وسلم حريتهم وحدودهم وسعدوا ببشاشة النبي-صلى الله عليه وسلم بوجوههم .. وبعد أيام رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا تحمل الفزع والسرور معًا ورأى فيها قادة مؤتة .. فقال لأصحابه:
"بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتياني جبلًا وعرًا فقالا لي اصعد
فقلت: إني لا أطيق فقالا إنا سنسهله لك فصعدت حتى كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة قلت ما هذه الأصوات قالوا هذا هو عواء أهل النار ثم انطلق بي فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دمًا.
فقلت ما هؤلاء قال هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم ثم انطلقا بي فإذا بقوم أشد شيء انتفاخًا وأنتنه ريحًا وأسوأه منظرًا.
فقلت من هؤلاء قال هؤلاء الزانون والزواني ثم انطلق فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات.
فقلت ما بال هؤلاء فقال هؤلاء اللواتي يمنعن أولادهن ألبانهن ثم انطلق بي فإذا بغلمان يلعبون بين نهرين.
فقلت من هؤلاء قال هؤلاء ذراري المؤمنين ثم شرف لي شرف فإذا أنا بثلاثة نفر يشربون من خمر لهم.
قلت من هؤلاء قال هؤلاء جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ثم شرف لي شرف آخر فإذا أنا بثلاثة نفر.
قلت من هؤلاء قال إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ينتظرونك" (1) هذه البشرى لم تمنع الصحابة من الحزن على أولئك الرجال الأفذاذ و"لما اشتد جزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على من قتل يوم مؤتة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدركن الدجال قومًا مثلكم أو خيرًا منكم ثلاث مرات ولن يخزي الله أمة أنا أولها وعيسى بن مريم آخرها" (2)
في غزوة مؤتة شهادة ومجد للأموات وأما الأحياء فيكفيهم رضا النبي صلى الله عليه وسلم عن أدائهم أما خالد بن الوليد فتميز بحيازته على شرف القيادة واللقب .. لكن ماذا عن عمرو بن العاص رفيق خالد؟ لا بد أنه يتحرق لخدمة الإسلام كما خدمه رفيقه .. لم يكن النبي-صلى الله عليه وسلم بعيدًا عن مشاعر عمرو الداهية ولا عن توظيف دهائه في نشر دين الله .. استدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليه قيادة حملة سميت فيما بعد بـ
(1) سنده صحيح رواه الحاكم 2 - 228 واللفظ له وابن حبان 16 - 536 والنسائيُّ في السنن الكبرى 2 - 246 وابن أبي شيبة ج: 7 ص: 331 من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن سليم بن عامر الكلاعي حدثني أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم .. عبد الرحمن ثقة من رجال الشيخين- التقريب1 - 502 وشيخه ثقة من رجال مسلم - التقريب 1 - 320.
(2)
سنده صحيح رواه الحاكم 3 - 43 حدثنا أبو بكر بن إسحاق أنبأ محمد بن شاذان الجوهري ثنا زكريا بن عدي ثنا عيسى بن يونس عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن ابن جبير بن نفير عن أبيه رضي الله عنه .. عبد الرحمن تابعي ثقة التقريب 1 - 475 وصفوان ثقة التقريب 1 - 368 وكذلك عيسى التقريب 1 - 103 وزكريا بن عدي وابن شاذان ثقتان.