الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وشمولها للطبقات والمستويات في المجتمع المكيّ، ففيها الغنيّ والفقير، والكهل والشّابّ، والرجال والنساء، وينتمي أغلبهم إلى أسر مكيّة عريقة، فدلّ على شدّة تأثير الدعوة وقوتها وشمولها.
تعقّب قريش للمسلمين:
ولمّا رأت قريش أنّ هؤلاء قد أمنوا واطمأنّوا بأرض الحبشة، بعثوا عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بن وائل، وجمعوا لهما هدايا للنجاشيّ ولبطارقته «1» ، مما يستطرف من متاع مكّة، وقدما على النجاشيّ، وقد استمالا البطارقة، وأرضياهم بهداياهم، وتكلّما في مجلس الملك، فقالا: إنّه لجأ إلى بلد الملك منّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم إليهم، فهم أبصر بهم وأقرب إليهم، وقالت البطارقة حوله: صدقا أيّها الملك، فأسلمهم إليهما.
فغضب النّجاشيّ، وأبى أن يقبل كلامهم، ويسلم من لجأ إليه وإلى بلاده، وحلف بالله، وأرسل إلى المسلمين، فدعاهم، ودعا أساقفته «2» ، وقال للمسلمين: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم؟ ولم تدخلوا في ديني ودين أحد من هذه الملل؟.
تصوير جعفر بن أبي طالب للجاهلية وتعريفه بالإسلام:
وقام جعفر بن أبي طالب- وهو ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:
(1) البطارقة: جمع بطريق، وهو القائد الحاذق بالحرب.
(2)
الأساقفة: علماء النصارى؛ والواحد: الأسقف.
«أيّها الملك! كنّا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتّى بعث الله إلينا رسولا منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده، ونعبده، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان.
وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرّحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدّماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزّور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات.
وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصّلاة والزّكاة والصّيام- فعدّد عليه أمور الإسلام- فصدّقناه وآمنّا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردّونا إلى عبادة الأوثان، من عبادة الله تعالى، وأن نستحلّ ما كنّا نستحلّ من الخبائث.
فلمّا قهرونا، وظلمونا، وضيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيّها الملك!» .
وسمع النجاشيّ كلّ ذلك في هدوء ووقار، ثمّ قال: هل معك ممّا جاء به صاحبكم عن الله من شيء؟.
قال جعفر: نعم.
قال النجاشيّ: فاقرأه عليّ.