الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه- رسول ملك غسان، فيدفع إليه كتابا منه يقول فيه:«إنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة فالحق بنا نواسك» ، فتثور في كعب الغيرة، ويهيج الحنان، فيقصد تنّورا، ويرمي هذا الكتاب فيه.
ولمّا تمّ ما أراده الله من تمحيص هؤلاء الثلاثة المؤمنين وتخليد ذكرهم في القرآن، ودرسهم للمسلمين إلى آخر الأبد، وإقامة برهان على قوة إيمان وحسن إسلام، وقد ضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، أفرج عنهم، وأنزل توبتهم من فوق سبع سموات.
ولم يفردهم بالتوبة حتّى يشعروا بغربتهم وبكونهم شامة بين الناس، بل مهّد لتوبتهم التوبة على سيد الأنبياء والمهاجرين والأنصار الذين لم يتخلّفوا، تكريما لهم، وجبرا لخواطرهم، ورفعا لمكانتهم، فقال:
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: 117- 118] .
نظرة على الغزوات:
وبغزوة تبوك التي كانت في رجب سنة تسع للهجرة انتهت الغزوات النبويّة، التي بلغ عددها سبعا وعشرين غزوة «1» ، والبعوث والسّرايا التي بلغ
-
يسقون من ورد البريص عليهم
…
بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل
(1)
على تحقيق ابن القيم في «زاد المعاد» ومن رأي اللّواء الركن محمود شيت خطّاب وتحقيقه-
عددها ستين «1» ، ولم يكن في كلّها قتال.
وقد أريق في جميع هذه الغزوات والسّرايا التي بعثها النّبيّ صلى الله عليه وسلم أقلّ دم عرف في تاريخ الحروب والغزوات، فلم تتجاوز القتلى كلّها 1018 قتيلا من الفريقين، وكانت حاقنة لدماء لا يعلم عددها إلّا الله، عاصمة لنفوس وأعراض لا يحصيها إحصاء، باسطة الأمن في أرجاء الجزيرة حتّى استطاعت الظّعينة «2» أن ترتحل من الحيرة «3» حتّى تطوف بالكعبة، ولا تخاف أحدا إلّا الله «4» ، والمرأة من القادسيّة على بعيرها حتّى تزور البيت لا تخاف «5» بعد ما كانت الجزيرة كلّها كفّة حابل، وشبكة دقيقة من ترات وثارات، وحروب وغارات، لا تمشي فيها قوافل الحكومات الكبيرة إلا بخفارة ساهرة، وبذرقة «6» ماهرة.
وكانت هذه الحروب مؤسّسة على الأصلين القرآنيين الحكيمين:
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: 191] ، ووَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي
- أنّ عددها يبلغ ثمانيا وعشرين (28) غزوة (بحث تاريخ جيش النّبي صلى الله عليه وسلم .
(1)
كما حقّقها مؤلف السيرة الشهيرة القاضي محمد سليمان المنصور فوري في الجزء الثاني من كتابه: «رحمة للعالمين» ، وهو مبنيّ على استقراء دقيق [انظر هذا التحقيق النفيس في ترجمته العربية بعنوان «نظرة تحليلية على هذه الغزوات والسرايا» ، في صفحة (457- 470) ] .
(2)
[الظّعينة: هي الراحلة التي يرحل ويظعن عليها، أي يسار، وقيل للمرأة ظعينة، لأنها تظعن مع الزّوج حيثما ظعن، أو لأنّها تحمل على الرّاحلة إذا ظعنت، وقيل: الظعينة: المرأة في الهودج، ثم قيل للهودج بلا امرأت وللمرأة بلا هودج: ظعينة (النهاية: 3/ 157) ] .
(3)
[الحيرة: بلد بالعراق خربت (مقدمة فتح الباري: 1/ 109) ] .
(4)
أخرجه البخاري، [في كتاب المناقب] باب «علامات النبوة» برقم (3595) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه] .
(5)
سيرة ابن هشام: ج 2، ص 581.
(6)
البذرقة- بالذال المعجمة والمهملة-: الخفارة (القاموس) .
الْأَلْبابِ [البقرة: 179] ، موفّرة على النوع الإنسانيّ والمجتمع البشريّ قدرا كبيرا من الوقت والجهد في تغيير الأحوال ودرء الأخطار، وكانت خاضعة لآداب خلقية وتعليمات رحيمة جعلتها أشبه بعملية التأديب منها بعملية التعذيب.
أمّا بالنسبة إلى نجاح العمليّة وسرعتها فقد استمرّ التوسّع بنسبة 274 ميلا مربعا في ظرف عشر سنوات، ولم يخسر المسلمون فيها إلا بنسبة شخص واحد في الشّهر، وكان أقصى خسائر العدوّ في النفوس 150 شخصا، فلمّا اكتملت السنوات العشر خضع أكثر من مليون ميل مربع للحكم الإسلاميّ «1» .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ودّع جيشا، قال:
«أوصيكم بتقوى الله، وبمن معكم من المسلمين خيرا، اغزوا باسم الله، في سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغلّوا، ولا تقتلوا وليدا
(1) مستفاد من كتاب «حديث دفاع» للواء محمد أكبر خان، ص 272. [انظروا إلى مدى نجاح الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد ضحى بثمانية عشر وألف رجل فقط لتحقيق المصالح الروحية والخلقية والمادية والقومية التي لم تحقّقها أمة ولا دولة حتى اليوم. دعونا من حروب رجال الدنيا، ولنذكر ما يسمّى بالحروب المقدّسة، فهذه حروب «مها بهارت» (التي وقعت في الهند في القرن السادس قبل المسيح) لا يقلّ عدد المقتولين فيها عن عشرة ملايين نسمة، وكذلك أهلكت الهيئات الدينية والمقدّسة في أوربة نفوسا يربو عددها على مئات الآلاف. وقد ذكر المسترجان وديون بورت في كتابه:) Apology For Mohammad and Quran (أنّ عدد من أعدمته- سيذكره العلّامة المؤلّف أيضا- محاكم التفتيش بلغ اثني عشر مليون نسمة كانوا مسيحيين، قتلوا بأيد مسيحية. ودولة إسبانية وحدها أهلكت ثلاثمئة ألف وأربعين ألفا من المسيحيين، واثنان وثلاثون ألفا منهم أحرقوا أحياء (رحمة للعالمين، للقاضي محمد سليمان سلمان المنصور فوري: ص 469- 475) ] .
ولا امرأة، ولا كبيرا فانيا، ولا منعزلا بصومعة، ولا تعقروا نخلا، ولا تقطعوا شجرا، ولا تهدموا بناء» «1» .
قارن ذلك بقتلى الحربين العالميتين: الأولى (1914- 1918 م) والثانية (1939- 1945 م) ، فقد ذكر الكاتب المحقّق في «دائرة المعارف البريطانيّة» في هذا الموضوع، أنّ عدد المقتولين في الحرب العالمية الأولى بلغ ستة ملايين وأربعمئة ألف نفس (000، 400، 6)«2» ، وعدد المقتولين في الحرب العالميّة الثانية بين خمسة وثلاثين مليونا وستّين مليون نفس (بين 000، 000، 35 و 000، 000، 60)«3» .
ولم تخدم هاتان الحربان- كما يعلم الجميع- مصلحة إنسانية، ولم يستفد منها العالم البشريّ في قليل أو كثير.
وقد بلغ عدد ضحايا محاكم التفتيش في أوربة في القرون الوسطى، والاضطهاد الكنسيّ إلى اثني عشر مليون نفس (000، 000، 12)«4» .
(1) رواه الواقدي عن زيد بن أرقم في غزوة مؤتة.
(2)
دائرة المعارف البريطانية: ج 19، ص 669.
(3)
ص 1013، (طبعة 1974 م) . [نشرت صحيفة «همدم» الأردوية الصادرة في 17/ من إبريل سنة 1919 م) تعداد قتلى الحرب العالمية المستمرة من سنة 18- 1914 م حسب مايلي: روسية (170) ألف نسمة، وألمانية (160) ألف نسمة، فرنسة (200) ألف نسمة، وإيطالية (460) ألف نسمة، والنمسا (800) ألف نسمة، وبريطانية (800) ألف نسمة، وتركية (250) ألف نسمة، وبلجيكا (102) ألف نسمة، وبلغارية (100) ألف نسمة، ورومانية (100) ألف نسمة، وأمريكة (50) ألف نسمة. المجموع الكلي أكثر من سبعة ملايين نسمة. ويشكّ كاتب المقال ويتساءل: هل دخل عدد قتلى مستعمرات الهند وفرنسة في تعداد إنكليز وفرنسا أم لا؟ ولكنّه يعترف بأنّ عدد الجرحى والأسرى والضائعين لم يدرج في الأعداد المذكورة. (رحمة للعالمين، ص: 496) ] .
.John Davenport:Apology For Muhammad and Quran (4)