الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والحكمة الثانية في هذه الغزوة الجريئة، بل في هذه المغامرة الخطرة، هي إدخال الرّعب في قلوب القبائل العربية التي لم تدخل في الإسلام في جزيرة العرب، والقبائل العربيّة المنتصرة الخاضعة لنفوذ الإمبراطورية الرومانية، والتابعة لها، وإتاحة الفرصة لها للتفكير في أهميّة الدّين الإسلاميّ جدّيا، وأنّه ليس من الفقاقيع والنفاخات التي تعلو سطح الماء ثمّ تغيب، وأنّ له مستقبلا زاهرا، لعلّ ذلك يفتح لها الطريق في الدخول في الإسلام، الذي ظهر في أرضهم وبلادهم، وذلك ما أشار إليه القرآن بقوله في الذين خرجوا في هذه الغزوة:
وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ [التوبة: 120] .
وقد كان الروم لا يزالون يذكرون غزوة مؤتة التي لم يقضوا منها حاجة في نفوسهم ولم يشفوها، وقد أسفرت عن انسحاب كلّ فريق راضيا من الغنيمة بالإياب، وقد أضعفت رهبة الدولة البيزنطيّة وجيوشها الجرارة في نفوس العرب.
وبالجملة فقد كانت لهذه الغزوة أهميّة كبيرة في السيرة النبوية وتاريخ الدعوة الإسلامية، وتحقّقت منها غايات كانت بعيدة الأثر في نفوس المسلمين والعرب، ومجرى الحوادث في تاريخ الإسلام.
زمن الغزوة:
وكانت هذه الغزوة في رجب سنة تسع «1» ، غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرّ
(1) إنّه من الصعب تحديد زمن غزوة تبوك؛ طبق التقويم الشمسي الميلادي، وتعيين الشهر الإفرنجي الذي كان فيه الخروج من المدينة إلى تبوك، وقد جعل بعض مؤلفي السيرة شهر-
شديد حين طابت الثّمار والظّلال واستقبل سفرا بعيدا ومفازة «1» وعدوا كثيرا، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد «2» ، وكان الزمن زمن عسرة الناس وجدب البلاد.
وتعلّل المنافقون بعلل، وكرهوا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إشفاقا من العدوّ القويّ القاهر، وفرارا من الحرّ الشديد، زهادة في الجهاد، وشكّا في الحقّ، في ذلك يقول الله تعالى:
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ
- نوفمبر مقابل رجب سنة 9 هـ، منهم العلامة شبلي النّعماني في كتابه الشهير «سيرة النبي» ، ولكنّ الشواهد الداخلية، والتصريحات التي جاءت في نص الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان وغيرهما من أصحاب الصحاح والسنن، تحتّم أن تكون هذه الغزوة قد وقعت في زمن الصيف، لقد جاء في صلب الحديث على لسان كعب بن مالك:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاها في حرّ شديد حين طابت الثمار والظلال» فليكن ذلك هو الميزان والحاكم في تحديد زمن هذه الغزوة، وكل ما لا يتفق معه لا يعول عليه. وفي روآية موسى بن عاقبة عن ابن شهاب:«في قيظ شديد في ليالي الخريف والناس خارفون في نخيلهم، وأكثر من ذلك قول المنافقين الذي نقله القرآن في سورة آل توبة، ثم رده عليهم، فقال: وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: 81] » [فتح الباري: 8/ 118] . وشهر نوفمبر في المدينة والحجاز، مبدأ الشتاء، وتطبيق التقويمين الشمسي والميلادي، والهلالي الهجري، من الأمور الصعبة، وقد كثر فيه الاضطراب لاختلاف أهل السير في مبدأ التقويم الهجري، هل كان من ربيع الأول أو من المحرم. وقد توصّل الأستاذ إسحاق الرّامفوري بعد استعراض طويل للحوادث والغزوات، وتطبيق بين التقويمين، أنّه كان شهر أبريل (نيسان) ولا يبعد عن الصواب، لأنه مبدأ الصيف في المدينة، إلا أنه ذكر أنه كان ذلك في سنة 630 م، والعلامة شبلي النعماني عيّنها بسنة 635 م، والله أعلم.
(1)
مفازة: فلاة لا ماء فيها.
(2)
مقتبس من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه الذي رواه الشيخان [انظر تخريجه في صفحة 492] .