الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ترى ما كان عليه وضع العالم، وحالته الاجتماعيّة والسياسية، قبل أن ينهض النّبيّ صلى الله عليه وسلم بهذه الدعوة، دعوة الوحدة الإنسانيّة، والكرامة الإنسانيّة، ويجاهد في سبيلها أبلغ جهاد؟
لقد كان ثمن شهوة فرد واحد، وهوى شخص واحد قبل بعثته صلى الله عليه وسلم أكبر، وأغلى من أرواح الآلاف ومئات الآلاف من البشر، ينهض ملك واحد، وإمبراطور واحد، يكتسح البلاد، ويستعبد العباد، ويضرب الرقاب، ويهلك الحرث والنسل، ويأتي على الأخضر واليابس، لتحقيق مأرب حقير في نفسه.
ويزحف الإسكندر حتّى يبلغ الهند، ويدمّر في طريقه حضارات ومدنيّات، وينهض شرّه ويقتنص الفئات البشريّة، كما يقتنص أحدنا حيوانات الغابة.
واندلعت في زماننا حربان عالميتان ذهب ضحيتهما ملايين، ولم يكن ذلك إلا نتيجة صلف قوميّ، وأنانية فردية، وشهوة الحكم، والسّيطرة على الأسواق التجاريّة العالمية.
4- محاربة اليأس والتشاؤم، وبعث الأمل والرجاء، والثقة والاعتزاز في نفس الإنسان:
المأثرة الرابعة أنّ أكثر أفراد النوع الإنسانيّ كانوا مصابين باليأس من رحمة الله، وبسوء الظنّ بالفطرة الإنسانية السليمة، وكان في إيجاد هذا الجوّ الخاصّ، والحالة العقلية الخاصة دور كبير لبعض الديانات الشرقيّة القديمة، والمسيحية المحرّفة في أوربة، وفي الشرق العربي.
فقد دانت الديانات القديمة في الهند بعقيدة التناسخ، وفلسفته التي
لا مجال عندها في إرادة الإنسان وتصرّفه مطلقا، وأنّ كلّ إنسان مضطرّ لا محالة لنيل عقوبة ما، لما قدّمت يداه في حياته الأولى، وذلك بالظهور في شكل سبع مفترس، أو دابّة سائمة، أو حيوان خسيس، أو إنسان شقيّ معذّب.
بينما نادت المسيحيّة بأنّ الإنسان عاص ومذنب بالولادة والفطرة، والمسيح صار كفّارة وفداء له عن هذه الذنوب، فأنشأت هذه العقيدة- بطبيعة الحال- في نفوس الملايين في العالم المتمدّن المعمور الذين اعتنقوا المسيحيّة سوء ظنّ بنفوسهم، ويأسا عن مستقبلهم، وعن الرحمة الإلهية.
هنالك أعلن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بكلّ قوّة وصراحة، أنّ فطرة الإنسان هي كاللوح الصافي، الذي لم يكتب عليه بعد، ويمكن أن ينقش فيه أروع نقش، ويحرر فيه أجمل تحرير، وأنّ الإنسان يستهلّ حياته بنفسه، ويستحقّ الثواب والعقاب، والجنة والنار بعمله، وهو غير مسؤول عن عمل غيره.
فقد ذكر القرآن في مواضع كثيرة، أنّ الإنسان مسؤول عن عمله فحسب، وأنّه مثاب ومشكور على سعيه: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (40) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى [النجم: 38- 41] .
هذا الإعلان أعاد إلى الإنسان ثقته المفقودة بفطرته ومواهبه الطبيعيّة، وانطلق إلى الأمام بعزم قويّ، وحماس زائد، وعاطفة جياشة ليصنع مصيره ومصير الإنسانيّة، ويجرّب حظّه وقدرته في تلك الإمكانيات الهائلة، والفرص الغالية.
إنّ محمّدا صلى الله عليه وسلم قرر أنّ المعاصي والذنوب، والأخطاء والزلّات فترة عابرة زائلة في حياة الإنسان، يقع فيها الإنسان بجهله وغروره، وقصر نظره حينا، وبإغواء الشيطان، وإغراء النفس بعض الأحيان، وأنّ الصلاح والصلاحية،
والاعتراف بالذنب، والندامة أصل من أصول فطرته، وجوهر إنسانيته، وأنّ الابتهال إلى الله، والتضرّع إليه، والعزم الأكيد على عدم العودة إلى الذنب دليل على شرف الإنسان، وأصالة معدنه، وهو ميراث آدم عليه السلام.
إنّ محمّدا صلى الله عليه وسلم فتح أمام المذنبين الخطّائين- الغارقين في حمأة المعصية والرذيلة إلى آذانهم- بابا واسعا للتوبة، ودعا إليها الناس دعوة عامّة، وشرح فضل التوبة شرحا وافيا، وأفاض فيه إفاضة نستطيع بها القول بأنّه أحيا هذا الركن الخاصّ العظيم من الدين، ولذلك سمّي «بنبيّ التوبة» من بين أسمائه الجميلة الآخرى، لأنّه ما دعا إلى التوبة كوسيلة اضطرارية يتدارك بها الإنسان ما فاته فحسب، بل إنّه رفع من شأنها حتّى صارت من أفضل العبادات، والقربات عند الله، وصارت طريقا سهلا للوصول- في أقرب وقت- إلى أقصى درجات القرب والولاية، يغبط عليها النّسّاك والزهاد، والأبرياء والأطهار من عباد الله.
إنّ القرآن شرح فضل التوبة وسعتها، ونقاء الإنسان من أكبر ذنب وأعظم معصية يتصورها الإنسان، وذلك بأسلوب جميل يستهوي القلوب، ودعا العصاة والمذنبين، وصرعى النفس والشيطان إلى اللجوء إلى الله سبحانه، والفرار إليه، والتفيّؤ بظلال رحمته، والترامي في أحضان رأفته وعطفه، وصوّر بحار رحمته الزاخرة، الواسعة الأرجاء، المحيطة بالأنفس والآفاق، تصويرا رائعا جميلا، شائقا مثيرا، يبدو منه أنّ الله سبحانه وتعالى ليس حليما رحيما، وجوادا كريما فحسب، بل إنّه- إذا صحّ هذا التعبير- يحبّ التوابين، ويشتاق إليهم، ويشكر سعيهم البليغ، ويقدّره كلّ التقدير، اقرأ الآيات التالية، وتذوّق أسلوب هذا اللطف والعطف، وجوّ الودّ الذي يغشى هذه الآيات:
* قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: 53] .
وأكثر من ذلك وأروع ما نجد في الآية التالية، حيث ذكر الله سبحانه جماعات مختلفة من عباده الصالحين، فاستهلّ هذه القائمة المشرقة النورانيّة بالتائبين، إنّها آية من سورة «التوبة» [112] :
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.
هذا التكريم وتبرئة العبد التائب من ذنبه، وإظهار الثقة به تجلّى واضحا حين أعلن القرآن قبول توبة ثلاثة من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك «1» من غير عذر صحيح مقبول، وبقوا في المدينة، فبدأ القرآن بذكر النّبيّ صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار، الذين لم يتخلفوا عن هذه الغزوة، ثمّ ثنّى بهؤلاء الثلاثة الذي تخلّفوا، حتّى لا يشعر هؤلاء المخلّفون بإفرادهم بالتوبة ويكونوا بمعزل عن الشعور بالهوان، وما يسمّى في علم النفس «بمركب النقص» ، ويتّضح للمؤمنين إلى يوم القيامة أن مكانتهم الطبيعيّة في الصف الأول من الصادقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فلا داعي للاستحياء، ولا مكان للعار.
هل هناك مثال أروع وأجمل، وأدقّ وأعمق، وأحلى وأزهى لقبول التوبة، وتكريم التائب، ومسح غاشية الكابة عنه بلطف وودّ، وحبّ وحنوّ
(1) اقرأ للتفصيل كتب السيرة، والتفسير، والحديث، «غزوة تبوك» وقد مرت القصة في هذا الكتاب في موضعها في الفصل الخامس، ص (492) .
في تاريخ الأديان، والأخلاق، والتربية والإصلاح، من هذا المثال؟!
اقرأ معي الآيات التالية:
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: 117- 118] .
ثمّ أعلن أيضا كمبدأ عامّ أنّ رحمة الله تسع كلّ شيء، وتسبق غضبه وجلاله، يقول القرآن: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: 156] .
وجاء في حديث قدسيّ: «إنّ رحمتي سبقت غضبي» «1» إنّه جعل اليأس مرادفا للكفر والجهل والضلال، وبين ذلك على لسان يعقوب عليه السلام:
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [يوسف: 87]، وذكر في موضع آخر قول إبراهيم- عليه السلام فقال: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: 56] .
وهكذا أسعف النّبيّ صلى الله عليه وسلم بهذه الدعوة المفتوحة العامّة إلى التوبة وبيان فضائلها، وسعتها وشمولها الإنسانيّة المذعورة الخائفة التي كانت تئنّ تحت وطأة اليأس، والقنوط، وترتعد فرائصها بإنذارات العقاب والعذاب، ومظاهر الغضب والجلال «2» ، ومنحها فرصة جديدة جميلة من الحياة، ونفخ
(1)[أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب «وكان عرشه على الماء..» برقم (7422) ، والنسائي في السنن الكبرى (4/ 417- 418) برقم (7751- 7757) وأبو يعلى في المسند (11/ 316) برقم (6432) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه] .
(2)
وقد كان في ذلك لعلماء اليهود، وشرّاح الكتب المقدّسة، ورهبان المسيحية الغلاة-