الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دعوة الملوك والأمراء إلى الإسلام أواخر سنة ستّ وأوائل سنة أربع من الهجرة
دعوة حكمة:
ولمّا تمّ الصلح، وهدأت الأحوال، وجدت الدعوة الإسلاميّة متنفّسا ومجالا للتقدّم، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبا إلى ملوك العالم وأمراء العرب، يدعوهم فيها إلى الإسلام «1» وإلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة «2» ، واهتمّ اهتماما كبيرا، فاختار لكلّ واحد منهم رسولا يليق به، ويعرف لغته وبلاده «3» .
(1)[دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للملوك والأمراء إلى الإسلام، أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الإسلام، برقم (1774) ، والترمذي في أبواب الاستئذان، باب في مكاتبة المشركين برقم (2716) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه] .
(2)
نرجّح أنّ هذه الرسائل وجّهت في شهر ذي الحجة سنة ست بعد صلح الحديبية، كما قال الواقديّ وهو يوافق 627 م، فإنّ في مقدّمة هؤلاء الملوك الإمبراطور الإيراني «كسرى أبرويز» ومن المقرّر أنه مات في مارس سنة 628 م، ومن هنا يتقرّر أنّ صلح الحديبية في أوائل سنة 627 م، وكان من الصعب وصول الرسالة الموجهة إلى هرقل كذلك، إذا كانت وجّهت في سنة 628 م، لأنّه كان قد توجّه في هذه السنة إلى أرمينيا. (راجع «فتح العرب لمصر» لألفرد بتلر، ص 139- 140) .
(3)
يشير كلام ابن سعد في «الطبقات» ج 2، ص 23، والسيوطي في «الخصائص الكبرى» -
وقيل له: إنّهم لا يقبلون كتابا إلّا بخاتم، فصاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما حلقته فضة، ونقش فيه (محمّد رسول الله)«1» .
وقد دلّت هذه الكتب على أنّ هذا الدّين ليس دين العرب، أو دين الجزيرة العربيّة، وإنما هو دين البشريّة ودين الإنسانيّة، وكان إنذارا للسّلطات الحاكمة خارج الجزيرة المالكة للحول والطول، والحاكمة لأوسع رقاع راقية متمدّنة، بأنّها مهدّدة بالانقراض والزوال، إذا لم تستجب للدعوة أو تسمح- على الأقلّ- من تمكين رعاياها للاطلاع على هذه الدعوة، والاستماع إليها، وتقرير مصيرها في شأنها.
- ج 2، ص 11: إلى أنّ ذلك كان على سبيل المعجزة، فجاء فيما ساقاه من الرواية: «
…
فأصبح كل واحد يتكلّم لغة البلاد التي أرسل إليها» .. والمؤلّف حين لا يستبعد وقوع المعجزة، فسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسير الأنبياء قبله مليئة بالمعجزات وخوارق العادات، وإنكارها من المكابرة، ولكنّه يرجّح أنّ ذلك كان مبنيا على الحكمة وحسن الاختيار من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن وجود من يحسن اللغة الرومية واللغة الفارسية، ولغة الأقباط في مصر، ولغة أهل الحبشة، غريبا لكثرة اختلاط العرب بهذه الأمم الأربع وكثرة رحلاتهم التجارية إلى هذه الأقطار وتنقّلاتهم فيها، وكانت القضية محدودة في هذه اللغات الأربع، إذ كان لغة أمراء الجزيرة العربية ورؤساء القبائل الذين كتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبه، ودعاهم إلى الإسلام، اللغة العربية، وفي اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية الكلبي لحمل رسالته إلى هرقل قيصر الروم، معنى لطيف يؤيد ما أشرنا إليه من حسن الاختيار، ومراعاة الحكمة، وقد كان شابا جميل الصورة، ذكيا فطنا، صادق الإيمان، وقد قيل في وصفه أنّ جبريل كان يفد على النّبي صلى الله عليه وسلم في صورته، وكان أجدر بحمل هذا الكتاب إلى قيصر الروم، وإلى بلاد الشام من غيره، كما كانت هذه البلاد وأهلها أليق به من غيرهم.
(1)
[أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب دعوة اليهود والنصارى (2939) والترمذي (2719) ، وأبو داود في أول كتاب الخاتم، باب ما جاء في اتخاذ الخاتم، برقم (4214) والبيهقي في «شعب الإيمان» (5/ 196) ، وابن حبان في صحيحه (14/ 303) برقم (6392) . وغيرهم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.