الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شرع الأذان:
ولمّا اطمأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، واستحكم أمر الإسلام، وكان الناس يجتمعون إليه للصلاة في مواقيتها بغير دعوة، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم طرق الإعلان التي اعتادها اليهود والنصارى من بوق وناقوس ونار، أكرم الله المسلمين بالأذان، فأراه بعضهم في المنام، فأقرّه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه للمسلمين، واختير بلال بن رباح الحبشيّ للأذان، وكان مؤذّن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إمام المؤذّنين إلى يوم القيامة» .
ظهور النفاق والمنافقين في المدينة:
لم يكن في مكة نفاق «2» ؛ لأنّ الإسلام كان هناك مغلوبا على أمره، لا يملك حولا ولا طولا، ولا يملك لأحد نفعا ولا ضرّا؛ وكان كلّ من يدخل فيه يعرّض نفسه للخطر والضّرر، ويثير لها العداء، ويهيج الأعداء، فلا يقبل عليه إلا من صدق عزمه، وقوي إيمانه، وجازف بحياته ومستقبله، ولم تكن هنالك قوتان متماثلتان، إنّما كان المشركون الأقوياء القاهرون، والمؤمنون المضطهدون المستضعفون، وقد صوره القرآن بقوله البليغ: وَاذْكُرُوا إِذْ
- القاهرة) .
(1)
[قصة شرح الأذان أخرجها أبو داود في كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، برقم (499) ، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في بدء الأذان، برقم (189) ، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في أبواب الأذان والسنة فيها، باب بدء الأذان، برقم (706) ، والدارمي (1/ 269) ، وأحمد (4/ 43) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه] .
(2)
وهو الذي يرجّحه أكثر المفسرين والمؤرخين، وجميع السور التي ذكر فيها النفاق والمنافقين مدنية، وقد جاء في سورة براءة وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ [التوبة: 101] .
أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ [الأنفال: 26] .
فلمّا انتقل الإسلام إلى المدينة واستقرّ الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيها، وبدأ الإسلام ينتشر، ويزحف، ويعلو، وقام المجتمع الإسلاميّ بجميع لوازمه، تغير الوضع ونجم النفاق ورفع رأسه، وكان ظاهرة طبيعية نفسية لا بدّ منها، فإنّما تظهر بادرة «النفاق» في بيئة تجمع بين دعوتين متنافستين، وقيادتين متقابلتين، هناك يوجد عنصر مضطرب يتأرجح بين هاتين الدعوتين، ويتردد في إيثار إحداهما على الآخرى، وقد ينحاز إلى دعوة، فيكون في معسكرها، ويعطيها ولاءه وحبّه العاطفيّ، إلا أنّ مصالحه المادية، وانتشار الدعوة المقابلة وانتصارها، لا يسمح له بإعلان موقفه، والانضواء إلى الدعوة الأولى، وقطعه للحبال التي تربطه ببيئته الأولى، وقد صوّر القرآن هذا الموقف المضطرب تصويرا دقيقا، فقال:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الحج: 11]، وهم الذين وصفهم بقوله: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ [النساء: 143] .
وكان على رأس هؤلاء المنافقين الذين كانوا من الأوس والخزرج واليهود عبد الله بن أبيّ ابن سلول، اتفقوا بعد حرب بعاث على أن يولّوه الرئاسة ويتوّجوه، وكان قد تمّ له كلّ ذلك إذ جاء الإسلام، وصار النّاس يدخلون في دين الله أفواجا، فشرق به وكرهه كرها شديدا، قال ابن هشام: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وسيّد أهلها عبد الله بن أبيّ ابن سلول العوفيّ.. لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل غيره من أحد الفريقين، حتى جاء الإسلام، وكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوّجوه، ثمّ يملكوه عليهم،