الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومما سبق نختار في تعريف الاستثناء بناء على هذه الطريقة بأنه: (المنع عن دخول بعض ما تناوله صدر الكلام في حكمه بحرف وضع له).
تتمة:
قال ابن النجار في شرح الكوكب (3/ 283): (أدوات الاستثناء المشهورة ثمانية، منها: حروف باتفاق، وهي " إلا " أو وحروف على الأصح، وهي حاشا " فإنها حرف عند سيبويه دائما. ويقال فيها: حاش وحشا.
ومنها ما هو فعل بالاتفاق، كـ لا يكون، أو فعل على الأصح، وهي " ليس ".
ومنها ما هو متردد بين الحرفية والفعلية بحسب الاستعمال، فإن نصب ما بعده كان فعلا، وإن جر ما بعده كان حرفا، وهو " خلا " بالاتفاق، و " عدا " عند غير سيبويه.
ومنها ما هو اسم، وهو " غير " و " سوى " ويقال فيه " سوى " بضم السين، و " سواء " بفتحها والمد، وبكسرها والمد، سواء قلنا هو ظرف، أو يتصرف تصرف الأسماء).
شروط الاستثناء:
الشرط الأول - اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكماً
.
قال الشيخ في "الأصل"(ص/39): (شروط الاستثناء:
يشترط لصحة الاستثناء شروط منها:
1 -
اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكماً.
فالمتصل حقيقة: المباشر للمستثنى منه بحيث لا يفصل بينهما فاصل.
والمتصل حكماً: ما فصل بينه وبين المستثنى منه فاصل لا يمكن دفعه كالسعال والعطاس.
فإن فصل بينهما فاصل أو سكوت لم يصح الاستثناء مثل أن يقول: عبيدي أحرار ثم يسكت أو يتكلم بكلام آخر ثم يقول إلا سعيداً فلا يصح الاستثناء ويعتق الجميع.
وقيل يصح الاستثناء مع السكوت أو الفاصل إذا كان الكلام واحداً، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة:" إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض لا يعضد شوكه ولا يختلى خلاه "
فقال العباس يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لِقَيْنِهِمْ وبيوتهم (1) فقال: " إلا الإذخر ". وهذا القول الراجح لدلالة هذا الحديث عليه (2)).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب"(3/ 297): ((وشروطه) أي شروط الاستثناء (اتصال معتاد) ثم إما أن يكون الاتصال المعتاد (لفظا) كذكر المستثنى عقب المستثنى منه، (أو) يكون الاتصال المعتاد (حكما) كانقطاعه عنه بتنفس أو سعال أو عطاس. ويأتي به عقب ذلك، فيشترط ذلك (كبقية التوابع)
…
وعن أحمد رضي الله تعالى عنه: يصح في اليمين متصلا في زمن يسير إذا لم يخلط كلامه بغيره. وعنه أيضا: وفي المجلس. واختاره الشيخ تقي الدين وغيره. وروي عن الحسن وعطاء. وقيل: يصح ما لم يأخذ في كلام آخر
…
).
والقول باعتبار هذا الشرط صححه الكلوذاني والمرداوي وابن النجار وغيرهم وهو مذهب جمهور العلماء قال الكلوذاني في "التمهيد"(2/ 73): (وأما التخصيص بالاستثناء فمن شرط صحته: أن يكون متصلا بالكلام، أو في حكم المتصل فأما المتصل بالكلام كقوله: له على عشرة إلا درهما، وأما الذي في حكم المتصل بالكلام فبأن يكون انفصاله قبل أن يستوفي المتكلم غرضه من الكلام نحو أن يسكت عن الاستثناء لانقطاع نفسه، أو لبلع ريق أو سعال وما أشبهه وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم).
ولا يشكل عليه إلا ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وبعض التابعين من القول بالجواز، وسوف نعرض - بإذن الله - لقول ابن عباس
وتوجيهه بإذن الله تعالى وأدلة الجمهور باختصار، فالله المستعان.
أدلة الجمهور:
1 -
قال ابن النجار في شرح الكوكب (3/ 301): (واستدل للمذهب الصحيح الذي في المتن بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه؛ وليأت الذي هو خير" (3) ولم يقل: أو ليستثن).
(1) القين هو الحداد والصائغ ومعناه يحتاج إليه القين في وقود النار ويحتاج إليه في القبور لتسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات ويحتاج إليه في سقوف البيوت يجعل فوق الخشب.
(2)
وسوف يأتي - بإذن الله - الكلام على هذا الحديث قريبا.
(3)
رواه مسلم.
2 -
قال المرداوي في "التحبير"(6/ 2563): (وكذلك لما أرشد الله - أيوب عليه الصلاة والسلام بقوله: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ)[ص: 44] جعل طريق بره ذلك، ولو كان الاستثناء المتراخي يحصل به البر لما جعل الله تعالى له الوسيلة إلى البر ذلك. وفي ' تاريخ بغداد ' لابن النجار أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أراد الخروج مرة من بغداد فاجتاز في بعض الطريق وإذا برجل على رأسه سلة فيها بقل وهو يقول لآخر: مذهب ابن عباس في تراخي الاستثناء غير صحيح، ولو صح لما قال الله تعالى لأيوب عليه السلام:(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ)، بل كان يقول له: استثن، ولا حاجة إلى التوسل إلى البر بذلك، فقال الشيخ أبو إسحاق: بلدة فيها رجل يحمل البقل يرد على ابن عباس لا تستحق أن يخرج منها. انتهى) (1).
3 -
قال الزركشي في "البحر المحيط"(2/ 430): (ومثله احتجاج بعضهم بقوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ)[المائدة: 89] فلو جاز الاستثناء من غير شرط الاتصال لم يكن لشرع الكفارة وإيجابها معنى لأنه كان يستثنى).
4 -
وقد استدل الكلوذاني بأدلة من اللغة وأدلة عقلية فقال في "التمهيد"(2/ 74): (والحجة في ذلك أن الاستثناء لغة وقد بينت أنه غير مستعمل في عرف اللغة وذلك لأن الإنسان إذا قال: رأيت الناس ثم قال بعد شهر: إلا زيدا، ثم قال أردت به الاستثناء من الكلام الذي قلته منذ شهر قبح ذلك عندهم وعدوه لغوا.
ثم قال: دليل ثان: أن الاستثناء غير مستقل بنفسه وهو كالخبر مع المبتدأ، والجزاء مع الشرط فإنه قد ثبت أنه لو قال: زيد ثم قال: بعد شهر منطلق، أو قال: من دخل الدار، ثم قال بعد شهر: فله درهم. لم يحسن ذلك، كذلك الاستثناء.
دليل ثالث: أنه لو جاز ذلك وصح لم يستقر عقد ولا إيقاع طلاق ولا عتاق، ولم يوثق بأحد في وعد ولا وعيد، لجواز أن يستثني بعد زمان ما يسقط حكم الكلام، وفي اتفاق الناس على خلاف هذا دليل على بطلانه.
(1) انظر: المسودة (ص/136)، أصول ابن مفلح (3/ 901)
دليل رابع: أن من جوزه إلى سنة لم ينفصل عمن جوزه إلى سنتين وأكثر، فبطل الجميع).
توجيه أثر ابن عباس:
ومن أقوى ما استدل به القائلون بالجواز (1) أثر ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني ولو إلى سنة وإنما نزلت هذه الآية في هذا (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) قال إذا ذكر استثنى) (2).
وهذا الأثر ضعيف، وعلى فرض صحته فيوجه بأحد الوجوه التالية:
1 -
أنه على فرض صحة إسناده، فهو مضطرب المتن فقد ورد عنه الأثر بلفظ: ولو بعد حين، ولفظ: إلى أربعة أشهر، وشهر، وسنة، وعنه أبدا (3).
(1) وقد ذكر شبههم وفندها الكلوذاني في التمهيد (2/ 75 - 76)، والآمدي في إحكامه (2/ 311: 313).
(2)
إسناده ضعيف - أخرجه الطبري في "تفسيره"(17/ 645)، والحاكم في "المستدرك"(4/ 336) حديث رقم (7833)، والبيهقي في "الكبرى"(10/ 48) من طريق الأعمش عن مجاهد عنه به، وهذا إسناد ضعيف فيه عنعنة الأعمش، وهو مدلس، وقال يعقوب بن شيبة في " مسنده ":(ليس يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، قلت لعلى ابن المدينى: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إلا ما قال سمعت، هي نحو من عشرة، وإنما أحاديث مجاهد عنده عن أبى يحيى القتات)، وقال ابن حجر في "إتحاف المهرة" (8/ 41):(هو معلول، فقد رواه أبو معاوية، عن الأعمش، وقال فيه: قيل للأعمش: سمعته من مجاهد؟ قال: لا، حدثني به الليث، عن مجاهد)، وله طريق أخرى بنحوه فروى الطبراني في "الأوسط"(7/ 68) حديث رقم (6872)، وفي "الصغير" (2/ 115) حديث رقم (876) من طريق محمد بن الحارث الجبيلي حدثنا صفوان بن صالح ثنا الوليد بن مسلم عن عبد العزيز بن حصين عن بن أبي نجيح عن مجاهد عن بن عباس: في قوله عز وجل: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) قال: (إذا نسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت) قال: (هي خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لأحد أن يستثني إلا في صلة يمين)، وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء فيه صفوان يدلس ويسوي، وكذا الوليد بن مسلم، وفيه ابن حصين قال عنه أبو حاتم: ليس بقوي منكر الحديث، وقال عنه أبو زرعة: لا يكتب حديثه، وابن أبي نجيح لم يسمع من مجاهد إلا أن بعض أهل العلم قبلوا روايته عنه في التفسير.
(3)
انظر: "الفتح"(11/ 603).
2 -
أنه لم يقصد الاستثناء، وإنما قصد امتثال الآية، وقد ذهب إلى هذا التوجيه جماعة منهم: أبو عبيد (1)، والطبري، والبيهقي، والقرافي، وابن الملقن، وغيرهم.
قال ابن الملقن في "البدر المنير"(8/ 124): (قال - أي البيهقي -: ويحتمل قول ابن عباس أن يكون المراد به أنه كان مستعملا للآية، وإن ذكر الاستثناء بعد حين، كما في قوله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) لا فيما يكون يمينا قلت: وهذا ما قرره القرافي فى «الأصول» في تعليقه على الحنث، حيث قال: المروي عن ابن عباس إنما هو في استثناء المشيئة، لقوله تعالى:(وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)[الكهف: 24](فإنه قال: إن سبب نزولها ترك النبي صلى الله عليه وسلم الاستثناء بالمشيئة وتقديرها كما قال ابن العصري في التفسير (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) أي إذا شئت الاستثناء): أي إذا تذكرت ولو بعد سنة فقل: إن شاء الله؛ فإنه يسقط عنك المؤاخذة في ترك الاستثناء، وقدره العراقي بأن: الذكر في زمن النسيان محال، فدل على أنه أراد طرف بمنع النسيان في جزء منه، والذكر في جزء آخر، ولم يحدده الشرع، فجاز على التراخي).
3 -
أنه محمول على أنه نوى الاستثناء عند بداية كلامه فيدان به.
قال الغزالي في "المستصفى"(ص/258): (ونقل عن ابن عباس أنه جوز تأخير الاستثناء ولعله لا يصح عنه النقل إذ لا يليق ذلك بمنصبه وأن صح فلعله أراد به إذا نوى الاستثناء أولا ثم أظهر نيته بعده فيدين بينه وبين الله فيما نواه ومذهبه أن ما يدين فيه العبد فيقبل ظاهرا أيضا فهذا له وجه أما تجويز التأخير لو أجيز عليه دون هذا التأويل فيرد عليه اتفاق أهل اللغة على خلافه لأنه جزء من الكلام يحصل به الإتمام فإذا انفصل لم يكن إتماما).
قال الزركشي في "البحر المحيط"(2/ 431): (وقال ابن ظفر في الينبوع إذا حققت هذه المسألة ضعف أمر الخلاف فيها وتحقيقها أنه لا يخلو الحالف التارك للاستثناء من أحد ثلاثة أمور إما أن يكون نوى الجزم وترك الاستثناء فما أظن الخلاف يقع في مثل هذا أو يكون نوى أن يستثني ولم ينطق بالاستثناء ثم ذكر فتلفظ
(1) نقله عنه ابن حجر في "الفتح" الموضع السابق.