الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قويا، كقياس القتل بمثقل على القتل بمحدد في وجوب القصاص، وقد قال أبو حنفية بعدم وجوبه في المثقل. وقسمه بعضهم إلى: جلي وخفي وواضح. فالجلي: ما تقدم، والخفي: قياس الشبه، والواضح: ما كان بينهما. وقال بعضهم: الجلي ما كان ثبوت الحكم فيه في الفرع أولى من الأصل كالضرب مع التأفيف. قال بعضهم: وينبغي تمثيله بقياس العمياء على العوراء في منع التضحية بها. والواضح: ما كان مساويا له كالنبيذ مع الخمر.
والخفي: ما كان دونه كقياس اللينوفر على الأرز بجامع الطعم، وكونه ينبت في الماء، ويرجع ذلك إلى الاصطلاح ولا مشاحة فيه. قال في ' المقنع ': وقيل الجلي قياس المعنى، والخفي قياس الشبه، وقيل: الجلي ما فهمت علته كقوله: ' لا يقضي القاضي وهو غضبان ').
الإلحاق بنفي الفارق:
والإلحاق بنفي الفارق قد يكون مظنونا، وقد يكون مقطوعا به، وقد اختلف العلماء في الإلحاق هل هو قياس أم لا؟
بيان مذهب الحنابلة في أنه ليس بقياس:
قبل أن نعرض الخلاف في مفهوم الموافقة هل هو قياس أم لا، وقبل أن نبين أنواعه نبدأ ببيان مذاهب العلماء في دلالته على مدلوله هل هي قياسية أم لفظية، ثم نبين أن الصحيح من مذهب الحنابلة أن دلالته لفظية وليس بقياس.
قال الشنقيطي في "المذكرة"(ص/ 232): (اعلم أنه نفي الفارق إنما هو قسم من تنقيح المناط، وهو مفهوم الموافقة بعينه، واختلف العلماء في دلالته على مدلوله هل هي قياسية أو لفظية، ولهم في ذلك أربعة مذاهب.
الأول: أن دلالة مفهوم الموافقة إنما هي من قبيل القياس، وهو المعروف عند الشافعي بالقياس في معنى الأصل، ويقال له القياس الجلي.
الثاني: أن دلالة الموافقة لفظية لكن لا في محل النطق، لأن ما دل عليه اللفظ في محل النطق هو المنطوق وما دل عليه لا في محل النطق هو المفهوم، وكلاهما من دلالة اللفظ.
الثالث: أنها دلالة لفظية مجازية عند القائلين بالمجاز وهو عندهم من المجاز
المرسل، ومن علاقات المجاز المرسل " الجزئية " والكلية، قالوا: ففي مفهوم الموافقة يطلق الجزء ويراد الكل، وبعبارة أخرى يطلق الأخص ويراد الأعم فقد أطلق التأفيف في الآية وأريد به عموم الأذى مجازا مرسلا، كما زعموا. قالوا: وكذلك أطلق النهي عن أكل مال اليتيم، وأريد الإتلاف، فيدخل الإحراق والإغراق وغيرهما من أنواع الإتلاف، مجازا مرسلا كما زعموا أيضاً.
الرابع: أنها لفظية لأن العرف اللغوي نقل اللفظ من وضعه لمعناه الخاص إلى ثبوته فيه، وفي المسكوت عنه أيضا، قالوا: فعرف اللغة نقل التأفيف من معناه الخاص إلى عموم الأذى، ونقل أكل مال اليتيم من معناه الخاص إلى عموم الإتلاف، وعلى هذا تكون دلالته لفظية من قبيل العرفية وأكثر الأصوليين على أن اللفظ دل عليه لا في محل النطق).
قال القاضي أبو يعلى في " العدة"(4/ 1333):) فأما الحكم الثابت من طريق التنبيه فلا يسمى قياسا، وإنما هو مفهوم الخطاب وفحواه، نحو قوله تعالى:(فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)[الإسراء: 23] إن الضرب ونحوه من الإضرار بالوالدين ممنوع منه بمعنى اللفظ
…
وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله في رواية أحمد بن الحسين بن حسان فقال: "إنما القياس أن يقيس الرجل على أصل، فأما أن يجيء إلى أصل فيهدمه فلا". فحد القياس بما كان على أصل مستنبط. وكذلك قال في رواية الميموني: "سألت الشافعي عن القياس فقال: عند الضرورة، وأعجبه ذلك". ومعنى قوله: "عند الضرورة". إذا لم يجد دليلا غيره من كتاب أو سنة، والاحتجاج بالتنبيه يجوز مع وجود دليل غيره.
وقال في رواية الميموني: "بر الوالدين واجب، ما لم يكن معصية، قال تعالى:(فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ). فاحتج على وجوب برهما بقوله: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) فدل على أنه مستفاد من جهة اللفظ.
وهو قول أصحاب أبي حنيفة (1). وقال أصحاب الشافعي: ذلك مستفاد من جهة
(1) علق المحقق على الكتاب هنا فقال: (هذا العزو ليس محررا، فإن أصحاب الإمام أبي حنيفة
مختلفون في هذه المسألة، فبعضهم قال: بأنه مفهوم من دلالة النص، وبعضهم قال: إنه مستفاد من
…
جهة القياس، وسموه قياسا جليا. انظر: ميزان الأصول للسمرقندي ص (398) وكشف الأسرار
(1/ 73) وأصول السرخسي (241) وأصول الشاشي ص (104)).
القياس، لكنه قياس جلي لا يحتاج إلى فكر وتأمل (1). وهو اختيار أبي الحسن الجزري من أصحابنا. ذكره في جزء فيه مسائل الأصول، في موضعين منه، فقال: مفهوم النص هو القياس.
دليلنا:
أن القياس ما يختص بفهمه أهل النظر والاستدلال، فيفتقرون في إثبات الحكم به إلى ضرب من النظر والاستدلال والتأمل بحال الفرع والأصل.
فأما ما دل عليه فحوى الخطاب الذي ذكرناه، فإنه يستوي فيه العالم والعامي العاقل الذي لم يدر ما القياس، فكيف يجوز إجراء اسم القياس عليه؟!.
وأيضا: فإن أهل اللغة لا يختلفون أن من نهي عن التأفيف لوالديه، عقل منه تحريم الشتم والضرب، كما أن من أمر بتعظيم زيد، عقل منه ترك الاستخفاف به.
وكما أن من وصف بالعجز عن حمل شيء يسير، عقل منه عجزه عن حمله ما هو فوقه. ومن حمل نفسه على دفع ذلك لم يكن في حد من يناظر.
وإذا كان هذا من اللفظ لم يجز إطلاق اسم القياس عليه.
(1) علق المحقق هنا فقال: (هذا رأي الإمام الشافعي كما في الرسالة ص (513)، وهو ما نقل عنه في جمع الجوامع (1/ 242). وقد اختاره إمام الحرمين في البرهان (م/786)، حيث قال: (
…
وهذه مسألة لفظيه، ليس وراءها فائدة معنوية، ولكن الأمر إذا رد إلى حكم اللفظ فعد ذلك من القياس أمثل، من جهة أن النص غير مشعر به من طريق وضع اللغة وموجب اللسان).
ولكن هناك رأيا ثانيا لبعض الشافعية، وهو: أن دلالته لفظية، ولهم في تفسير ذلك اتجاهان:
الأول: أنها فهمت من ناحية اللغة، وهذا ما نسبه الشيرازي في التبصرة ص (227) إلى بعض الشافعية، ولم يفصل.
الثاني: أنها فهمت من السياق والقرائن، وهو قول الغزالي في المستصفى (2/ 190) والآمدي في الإحكام (3/ 63).
وبناء على ما تقدم يكون عزو المؤلف عن أصحاب الشافعي أنهم يقولون بأنه مستفاد من جهة القياس ليس محررا، فإن ذلك قول إمامهم وبعض أصحابه، إلا أن يكون القول الثاني لم يقل به أحد من الشافعية حتى انقضى زمن المؤلف، فيتجه. والله أعلم).