الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة تعود إليها فمن يرى أن قول الصحابي حجة فإنه يعارض به القياس ويقدمه عليه، ومن لا فلا كالكلوذاني.
الشرط الثاني:
قال الشيخ: (أن يكون حكم الأصل ثابتاً بنص أو إجماع فإن كان ثابتاً بقياس لم يصح القياس عليه).
قال الشيخ في "شرح الأصول"(ص/523): (إن كان حكم الأصل- ثابتا بقياس لم يصح القياس عليه
…
فهذه ثلاثة علل لاشتراط أن يكون الأصل المقيس عليه ثابتًا بنصٍّ أو إجماع - وهي:
أولَا: يجب القياس على الأصل الأول، فهو أولى.
ثانيًا: قد يكون الفرع المقيس عليه غير صحيح أصلاً.
ثالثًا: أن القياس على الفرع تطويل بلا فائدة.
مثال ذلك: أن يقال يجري الربا في الذرة قياسًا على الرز ويجري في الرز قياسًا علي البُر، فالقياس هكذا غير صحيح، ولكن يقال يجري الربا في الذرة قياسًا على البُر، ليقاس على أصل ثابت بنص
…
ثم قال: على كلِّ حالٍ نقول: إن قياس الفرع على الفرع ثم الفرع على أصل: غير صحيح شكلاً وحكمًا؛ لأنا ذكرنا في إحدى العلل أن قياس الفرع الذي جعل أصلاً في القياس الثاني قد يكون غير صحيح، وحينئذٍ لا يصح الحكم؟
فالقياس إذًا غير صحيح شكلاً وحكمًا، فنحن نبطله ونقول: لا تقس هذا القياس، بل ارجع إلى الأصل الأول وقس عليه وينتهي الإِشكال.
ثم قال: ثم لاحظ أنه في باب المناظرة قد نقول: يجري الربا في الذرة قياسًا على الرز، وفي الرز قياسًا على البر، فيمنَعُ الخصمُ قياسَ الرز على البر وحينئذٍ يبطل قياسك. فهذه المسألة نافعة حتى في باب المناظرة وهي أن ترجع إلى الأصل الأول).
وهذا الذي اختاره الشيخ هو ظاهر كلام أحمد، وأحد قولي المذهب، والقول الأخر بالجواز (1).
(1) انظر: العدة (4/ 1361)، التمهيد (3/ 443)، شرح الكوكب المنير (4/ 26)، المدخل (ص/308)، نزهة الخاطر العاطر (2/ 200).
قال ابن قدامة في الروضة (ص/315): (أركان القياس وهي أربعة أصل وفرع وعلة وحكم فالركن الأول له شرطان: أحدهما أن يكون ثابتا بنص أو اتفاق من الخصمين فإن كان مختلفا فيه أو لا نص فيه لم يصح التمسك به
…
وقال بعض أصحابنا يجوز القياس على ما ثبت بالقياس لأنه لما ثبت صار أصلا في نفسه فجاز القياس عليه كالمنصوص ولعله أراد ما ثبت بالقياس واتفق عليه الخصمان
…
).
قال المرداوي في " التحبير"(7/ 3156): (قوله: {وكونه غير فرع في ظاهر كلام أحمد، وقاله الحنفية، وأكثر الشافعية. واختاره القاضي، وقال يجوز أن تستنبط من الفرع المتوسط علة ليست في الأصل ويقاس عليه. وقال - أيضاً -: ' يجوز كون الشيء أصلا لغيره في حكم وفرعاً لغيره في حكم آخر '.وجوزه الفخر، وأبو الخطاب، ومنعه أيضاً. وقال - أيضًا - هو، وابن عقيل، والبصري، وبعض الشافعية: يقاس عليه بغير العلة التي يثبت بها، وحكي عن أصحابنا. ومنعه الموفق، والمجد، والطوفي، وغيرهم مطلقاً إلا باتفاق الخصمين، والشيخ (1) في قياس العلة فقط}).
قال الطوفي في "البلبل"(ص/151): (فشرط الأصل ثبوته بنص، وإن اختلفا فيه ; أو اتفاق منهما ولو ثبت بقياس، إذ ما ليس منصوصا ولا متفقا عليه لا يصح التمسك به لعدم أولويته، ولا يصح إثباته بالقياس على أصل آخر؛ لأنه إن كان بينه وبين محل النزاع جامع، فقياسه عليه أولى، إذ توسيط الأصل الأول تطويل بلا فائدة، وإلا لم يصح القياس لانتفاء الجامع بين محل النزاع وأصل أصله).
وقال في "شرحه"(3/ 292): (قوله: «ولو ثبت بقياس» ، أي: إذا كان الأصل متفقا عليه، حصل المقصود، ولو كان ثبوته بالقياس، وهو قول بعض أصحابنا؛ لأنه لما ثبت صار أصلا بنفسه، فجاز القياس عليه كالمنصوص والمجمع.
مثاله: أن يقول: قد اتفقنا على تحريم الربا في الأرز قياسا على البر بجامع الكيل، فيحرم في الذرة قياسا على الأرز، لكن هذا يفضي إلى العبث المذكور، وينافي
(1) أي تقي الدين ابن تيمية، وقال في "المسودة" (ص/354): (والصواب أن العلة إذا كانت واحدة فقد يكون فيه إيضاح وان كانت في مضمونها بأن كان أحدهما قياس أو كلاهما قياس دلالة جاز لان الدليل لا ينعكس وان كانا قياس علة لم يجز
…
).
قولنا بعد: إن الأصل لا يصح إثباته بالقياس
…
قوله: «ولا يصح إثباته بالقياس على أصل آخر» إلى آخره، أي: لا يصح إثبات الأصل المقيس عليه بقياسه على أصل آخر، وإن شئت، قلت: لا يصح أن يكون فرعا لأصل آخر.
مثاله: أن يقيس الذرة على الأرز المقيس على البر، فلا يصح؛ لأنه إن كان بين ذلك الأصل الآخر الذي قاس عليه وهو البر هاهنا وبين محل النزاع - وهو الذرة - جامع، فقياس محل النزاع على ذلك الأصل الآخر البعيد وهو البر أولى؛ لأن توسيط الأول الذي قاس عليه محل النزاع، وهو الأرز «تطويل بلا فائدة» ، إذ عوض ما نقول: يحرم التفاضل في الذرة قياسا على الأرز، وفي الأرز قياسا على البر، فلنقل: يحرم التفاضل في الذرة قياسا على البر، إذ توسيط الأرز في البين عبث، «وإلا» ، أي: وإن لم يكن بين الأصل الآخر الثاني، وبين محل النزاع جامع، «لم يصح القياس» ، كما لو قاس الذرة على الأرز، والأرز على الحديد، «لانتفاء الجامع بين محل النزاع» وهو الذرة، «وأصل أصله» وهو الحديد، الذي جعله أصلا للأرز، الذي هو أصل الذرة.
وكذلك لو قال المستدل في اشتراط النية للوضوء: عبادة، فيفتقر إلى النية كالتيمم، فلو منع الحكم في التيمم، فأثبت الحكم فيه قياسا على الصلاة، فإن جمع بين التيمم والصلاة بكونهما عبادة، قلنا: فقس الوضوء على الصلاة بجامع العبادة، ولا حاجة إلى توسيط التيمم، وإن جمع بينهما بكون التيمم طهارة، لم يصح القياس؛ لأن الصلاة ليست طهارة، والجامع بينهما منتف.
واعلم أنا قد ذكرنا قبل هذا بيسير أن الأصل يجوز أن يثبت بالقياس، وهاهنا ذكرنا أنه لا يجوز، وهما قولان لأصحابنا، والقول بعدم الجواز هو المشهور لإفضاء القول بالجواز إلى العبث المذكور، ولا يمكن أن يخرج للقول بالجواز فائدة إلا أن يكون الأصل ثابتا بقياس شبهي، ومحل النزاع يلحق به بقياس جلي بحيث يكون محل النزاع بأصله أشبه منه بالأصل البعيد، كما لو جعلنا علة الفضة الوزن والثمنية جميعا، وقسنا عليه الحديد قياسا شبهيا لاشتراكهما في الوزن، ثم قسنا الصفر أو الرصاص ونحوه على الحديد، لكن هذا أيضا لا جدوى له، إذ القياس