الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الثامن: الشرط. فإن اختلفتا في الشرط جاز كذبهما وصدقهما كقولك: زيد يدخل الجنة وزيد لا يدخل الجنة تعني بالأول بشرط موته على الإِيمان وبالثاني بشرط موته على الكفر.
التاسع: اتحادهما في التحصيل والعدول فإن كانت إحداهما محصلة والأخرى معدولة لم يتناقضا لصدق السالبة المحصلة مع صدق الموجبة المعدولة كما هو معروف في محله. وكذلك تصدق المحصلة الموجبة مع صدق السالبة المعدولة. هكذا يقولون.
والتحقيق أن التناقض بين القضيتين يتحقق بالوحدة في شيء واحد وهو النسبة الحكمية. بأن تكون النسبة المثبتة هي بعينها النسبة المنفية).
الثالث - هل يقع تعارض بين الأدلة الظنية
؟ (1)
والكلام واضح في منع التعارض بين القطعيين، أو بين قطعي وظني، وأما ما كان بين الأدلة الظنية فلا خلاف في وقوعه من وجهة نظر المجتهد وأما ما كان حقيقيا فقد وقع فيه الخلاف.
والراجح أن التعارض الحقيقي في الواقع وفي نفس الأمر يبن الأدلة الظنية ممتنع، كالأدلة القطعية، وإنما يكون التعارض فيهما من وجهة نظر المجتهد فقط (2)، وذلك (3) لأن كتاب الله سالم من الاختلاف والاضطراب والتناقض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق، قال تعالى:(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)[النساء: 82] ولهذا مدح الله تعالى الراسخين في العلم حيث قالوا: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)[آل عمران: 7]؛ أي: محكمه ومتشابهه حق (4).
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، بل
(1) انظر العدة (5/ 1536)، والتمهيد للإسنوي (ص/505)، الأحكام للآمدي (4/ 203).
(2)
انظر مسألة (لا تعارض في الشريعة في نفس الأمر بل في نظر المجتهد) في الموافقات للشاطبي (4/ 294).
(3)
انظر: " معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة" للجيراني (ص/268).
(4)
انظر: "الفقيه والمتفقه"(1/ 221)، و"إعلام الموقعين"(2/ 294)، و"تفسير ابن كثير"(1/ 542).
يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) (1).
كما أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة مبرأة من التناقض والاختلاف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من التناقض والاختلاف بإجماع الأمة، لا فرق في ذلك بين المتواتر والآحاد، قال تعالى:(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى)[النجم: 3، 4].
وكل هذه الأدلة تشمل الظني والقطعي منهما.
قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوي"(8/ 29): (الأدلة الصحيحة لا يكون مدلولها إلا حقا والحق لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضا).
وقال في "المسودة"(ص/274): (لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه وليست مع أحدهما ترجيح يقدم به ذكره أبو بكر
الخلال).
وقال في "مجموع الفتاوي"(7/ 40): (إذا قلنا الكتاب والسنة والإجماع فمدلول الثلاثة واحد فان كل ما في الكتاب فالرسول موافق له والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة فليس في المؤمنين الا من يوجب اتباع الكتاب وكذلك كل ما سنه الرسول فالقرآن يأمر باتباعه فيه والمؤمنون مجمعون على ذلك وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون فانه لا يكون الا حقا موافقا لما في الكتاب والسنة لكن المسلمون يتلقون دينهم كله عن الرسول وأما الرسول فينزل عليه وحى القرآن ووحى آخر هو الحكمة كما قال: (ألا إنى أوتيت الكتاب ومثله معه (2)().
قال الكلوذاني في "التمهيد"(4/ 349): (لا يجوز أن تعتدل الأمارتان في المسألة عند المجتهد، فلا تترجح إحداهما على الأخرى، وبه قال الكرخي وأبو سفيان السرخسي وأكثر الشافعية، وقال الجبائي وابنه: يجوز ذلك ويكون المجتهد مخيرا في الأخذ بأي الحكمين شاء ن وغليه ذهب الرازي والجرجاني من الحنفية.
(1) رواه أحمد وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبي عن جده، وصححه الشيخ الألباني والشيخ الأرناؤوط.
(2)
رواه أحمد، وأبو داود من حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه وصححه الشيخ الألباني والشيخ الأرناؤوط.
وجه الأول: أنه لو جاز ذلك أدى إلى حصول الشك في الحكم الشرعي، وذلك لا يجوز، وبيان تأديه إلى الشك: أن المخبرين المتساويين في الصدق لو أخبرنا أحدهما بأن الرسول دخل البيت في وقت عينه، وكنت معه لم أفارقه، ولم أغفل عن مشاهدته إلى أن خرج منه، ولم أره يصلى فيه. وأخبرنا الآخر: أنه رآه يصلي فيه، فإنا نشك هل صلى فيه أو لم يصل، ولا يجوز أن نظن صدق أحدهما ولا كل واحد منهما، وغنما لا يظن كذب أحدهما؛ لأم الظن: هو تغليب أحد المخبرين على الآخر، وذلك لا يحصل إلا بأمارة ترجح أحد المخبرين على الآخر وقد عدم ذلك، فإن كل واحد من المخبرين حاله في الثقة كحال الآخر، وكذلك في تجويز الخطأ عليه، وإنما لم يظن صدق كل واحد منهما لما بينا من أن الظن يحتاج إلى أمارة يرجح بها، فإذا كان في كل واحد منهما أمارة ترجحه على الآخر فيكون الآخر ناقصا عنه، وهذا تناقض، لأنه يؤدي إلى أن يكون كل واحد منهما زائدا على الآخر، وكل واحد منهما ناقصا عنه، وهذا محال فلم يبق إلا الشك ولا يجوز أن يحكم بالشك بحال
…
ثم قال: دليل آخر: وهو أن مساواة الأمارتين تقتضي إثبات حكميهما إما على الجمع وذلك غير ممكن وإما على التخيير والأمة مجمعة على أن مسائل الاجتهاد ليس المجتهد يتخير فيها ولا تلزم الكفارة والإبل في الزكاة (1)؛ لأنها ليست من مسائل الاجتهاد، وغنما يتبع فيها نص الشرع، ولأن المسالة مبنية على أن الحق من قول المجتهدين في واحد، وما عداه خطأ، وقد دللنا عليه، وإذا ثبت ذلك بطل أن تتكافأ الأمارات لأن مع التكافؤ لا نعلم الحق من الخطأ).
قال المرداوي في " التحبير"(8/ 4131): "اختلف العلماء في تعادل دليلين ظنيين على أقوال: أحدها: أنه محال، وهذا الصحيح عندنا، وعليه الإمام أحمد، والأصحاب، وأكثر الشافعية، والكرخي، والسرخسي، وحكاه الإسفراييني عن أصحابه، وحكاه ابن عقيل عن الفقهاء، ويأتي كلام الخلال، وابن خزيمة.
(1) يشير رحمه الله إلى أن الشرع خير المكفر عن يمينه بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، وكذا خير المزكي من الإبل إذا بلغت مائتين بين أربع حقاق وخمس بنات لبون. ولم يرد الشرع بالجمع بين خصال الكفارة أو الأربع حقاق والخمس بنات لبون في زكاة الإبل.
والقول الثاني في المسألة: يجوز تعادلهما، وبه قال القاضي أبو يعلى في ' مختصره '، وابن عقيل في ضمن مسألة القياس، وأبو بكر الرازي، والجرجاني، والجبائي وابنه، وابن الباقلاني، وقال: قاله الأشعري، وكل من صوب كل مجتهد، وأنه حكي عن الحسن العنبري، وقاله أكثر العلماء، وذكره بعض أصحابنا رواية عن أحمد، واختاره الآمدي وذكره عن أكثر الفقهاء، كما في نظر المجتهد اتفاقا
…
احتج من منع التعادل في الأمارتين في نفس الأمر مطلقا بأنه لو وقع، فإما أن يعمل بهما وهو جمع بين المتنافيين، أو لا يعمل بواحد منهما فيكون وضعهما عبثا، وهو محال على الله تعالى، أو يعمل بأحدهما على التعيين، وهو ترجيح من غير مرجح، أو لا على التعيين بل على التخيير، والتخيير بين المباح وغيره يقتضي ترجيح أمارة الإباحة بعينها، لأنه لما جاز له الفعل والترك كان هذا معنى الإباحة فيكون ترجيحا لإحدى الأمارتين بعينها. وأجيب: بأن ذلك لا يقتضي الإباحة، بل تخيير للعمل بإحدى الأمارتين شاء، لا عمل بأي الفعلين شاء، بدليل أنه لو كانت إحداهما تقتضي تحريمه لا يقال: هو مخير بين فعله مع كونه حراما وبين غيره، فإذا عمل بأحدهما وجب أن يعتقد بطلان الآخر، بخلاف الإباحة فإنه لا يعتقد فيها فساد ما لم يفعل، ونظيره في الشرع التخيير بين أن يصلي المسافر قصرا أو إتماما، فإنه إذا جاز له ترك الركعتين عند اختيار القصر، لا يقال: إن فعل الركعتين مباح. قال البرماوي: وفيه نظر، واحتج من جوز تعادل الأمارتين في نفس الأمر بالقياس على جواز تعادلهما في الذهن، وبأنه لا يلزم من فرضه محال، وقد أجيب عن ذلك. وقال ابن عبد السلام في ' قواعده ': لا يتصور في الظنون تعارض كما لا يتصور في العلوم، إنما يقع التعارض بين أسباب الظنون، فإذا تعارضت: فإن حصل الشك لم يحكم بشيء، وإن وجد ظن في أحد الطرفين حكمنا به؛ لأن ذهاب مقابله يدل على ضعفه وإن كان كل منهما مكذبا للآخر تساقطا، وإن لم يكذب كل واحد منهما صاحبه عمل به حسب الإمكان كدابة عليها راكبان يحكم لهما بها؛ لأن كلا من اليدين لا تكذب الأخرى. انتهى. قال البرماوي: ' وهو نفيس؛ لأن الظن هو الطرف الراجح، ولو عورض بطرف آخر راجح، لزم أن يكون كل واحد منهما راجحا مرجوحا، وهو محال ' انتهى
…
واعلم أنه لا تعارض بالحقيقة في حجج
الشرع
…
قال أبو بكر الخلال من أئمة أصحابنا المتقدمين: لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان ليس مع أحدهما ترجيح يقدم، فأحد المتعارضين باطل إما لكذب الناقل، أو خطأ بوجه ما من النقليات، أو خطأ الناظر في النظريات، أو لبطلان حكمه بالنسخ. انتهى. وقال إمام الأئمة أبو بكر ابن خزيمة: لا أعرف حديثين صحيحين متضادين، فمن كان عنده شيء منه فليأتني به لأؤلف بينهما، وكان من أحسن الناس كلاما في ذلك، نقله العراقي في 'شرح ألفيته في الحديث').
قال السبكي في "جمع الجوامع": يمتنع تعادل القاطعين أي تقابلهما بأن يدل كل منهما على منافي ما يدل عليه الآخر إذ لو جاز ذلك لثبت مدلولاهما فيجتمع المتنافيان فلا وجود لقاطعين متنافيين كدال على حدوث العالم ودال على قدمه
…
ولباحث أن يقول لا بعد في أن يجري فيهما الخلاف الآتي في الأمارتين لمجيء توجيهه الآتي فيهما وكذا يمتنع تعادل الأمارتين أي تقابلهما من غير مرجح لإحداهما في نفس الأمر على الصحيح حذرا من التعارض في كلام الشارع
…
).
وقال العطار في "حاشيته على جمع الجوامع"(2/ 358): (قد يستشكل جريان الخلاف فيهما مع ما قرره آنفا من لزوم اجتماع المتنافيين حيث أدرجهما في القاطعين وعلل امتناع التعارض فيهما باجتماع المتنافيين والفرق بينهما وبين الأمارتين ما أشاروا إليه من أن مدلول الدليل القطعي يجب أن يكون حاصلا بخلاف مدلول الأمارة فيلزم اجتماع المتنافيين في تعارض القاطعين ولا يلزم في تعارض الأمارتين، ويمكن أن يقال يلزم في تعارض تجويز اجتماع المتنافيين لأن الكلام في تعارضهما في نفس الأمر وتعارضهما فيه يستلزم اجتماع المتنافيين، غاية الأمر أن مدلول الأمارتين لا يجب أن يكون حاصلا واجتماعهما ممتنع فتجويزه كذلك لأن تجويز الممتنع ممتنع، وحينئذ فمن أجازه في الأمارتين يلزمه القول بالجواز في النقليين القطعيين، وعند هذا يتضح قول الشارح: ولباحث أن يقول
…
إلخ
…
).
وقال الشيخ الشنقيطي في " نثر الورود "(2/ 582) في شرح قول الشيخ علوي الشنقيطي:
والاعتدال جائز في الواقع
…
كما يجوز عند ذهن السامع
: (التحقيق أن الكتاب والسنة ليس فيهما تعارض في نفس الأمر، وإنما