الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمراد بقولنا:"الأحكام الشرعية" الأحكام المتلقاة من الشرع كالوجوب والتحريم (1)، فخرج به الأحكام العقلية كمعرفة أن الكل أكبر من الجزء والأحكام العادية كمعرفة نزول الطل في الليلية الشاتية إذا كان الجو صحواً. قلت (ويخرج أيضا الأحكام الوضعية كمعرفة أن كان وأخواتها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، ويخرج أيضا الأحكام الحسية كالعلم أن النار محرقة، وأيضا يخرج الأحكام التجريبية (الثابتة بالتجربة) العلم بأن السم قاتل وقد تتداخل هذه الأحكام إلا أن الغرض بيان معنى الشرعية وهو خلاف كل ما سبق).
والمراد بقولنا: " العملية " ما لا يتعلق بالاعتقاد كالصلاة والزكاة فخرج به ما يتعلق بالاعتقاد (وتسمى العلمية) كتوحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته فلا يسمى ذلك فقهًا في الاصطلاح قلت (وقد يخرج أيضا علم التصوف أو السلوك كحرمة الكذب والغيبة ووجوب الصدق، وهكذا فهذا في الاصطلاح لا يدخل في الفقه، ولم يدونه غالب الفقهاء في كتب الفقه).
والمراد بقولنا: بأدلتها التفصيلية " أدلة الفقه المقرونة بمسائل الفقه التفصيلية فخرج به أصول الفقه لأن البحث فيه إنما يكون في أدلة الفقه الإجمالية). والأدلة التفصيلية وهي الجزئية كقوله تعالى (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا)[الإسراء: 32] فهذا دليل جزئي يخص مسألة واحدة معينة وهي الزني ويبين حكمها وهو تحريم الزنى.
وأما الأدلة الإجمالية فهي كالقواعد الكلية ويندرج تحت كل واحدة منها أحكاما كثيرة وسوف يأتي بإذن الله الكلام عليها قريبا.
فوائد:
الفائدة الأولى - الفرق بين العلم والمعرفة:
فرق الشيخ بين العلم والمعرفة بثلاثة فروق:
الأول - المعرفة تشمل العلم والظن بخلاف العلم:
قال الشيخ في الشرح (ص/24): (المعرفة هنا تشمل العلم والظن؛ لأن إدراك الأحكام الشرعية بعضه علمي، وبعضه ظني، ولهذا فإن مسائل الاجتهاد التي يختلف
(1) وسوف يأتي بإذن الله في التنبيهات أن هذا المعنى غير مراد هنا.
فيها أهل العلم غالبها ظني، وليست بعلمية، ولو كانت علمية لما اختلفوا فيها، لكنها غالبها ظني فالمعرفة أيضًا تطلق على العلم والظن، كما في كثير من مسائل الفقه.
ولذلك لا يوصف اللَّه بأنه عارف، ولكن يوصف بأنه عالم؛ لأن المعرفة تشمل العلم والظن.
ثم قال: (وقوله: (لأن إدراك الأحكام الفقهية قد يكون يقينيا وقد يكون ظنيا كما في كثير من مسائل الفقه): ولهذا قلنا في التعريف- تعريف الفقه-: "معرفة" ليشمل العلم والظن، لأنه يوجد مسائل كثيرة من أحكام الفقه كلها ظنية).
مناقشة هذا التفريق:
وهذا الذي صار إليه الشيخ من أن العلم خاص بالقطعيات دون الظنيات مجرد اصطلاح خاص، وقد نسبه الكلوذاني للمتكلمين واختار عكسه حيث عرف الفقه في الشرع بقوله:(هو العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية دون العقلية).
ثم قال: فأما قولنا: "العلم بأحكام أفعال" فنريد به ما علمناه بالشرع إما بيقين أو غالب ظن) (1).
وقال الشيخ العروسي في "المسائل المشتركة (ص/31) وهو يبين وجوه الرد على من قال: أن الفقه من باب الظنون؛ لأنه مستفاد من الأدلة الظنية، فلا يسمى علما:(وقد تجيب طائفة أخرى - كابي الخطاب وغيره- عن هذا السؤال، بأن العلم يتناول اليقين والاعتقاد الراجح، كقوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ)(2)[الممتحنة: 10] وأن تخصيص لفظ العلم بالقطعيات اصطلاح المتكلمين، والتعبير هو باللغة لا بالاصطلاح الخاص
…
).
وقال المرداوي في "التحبير"(1/ 229): (يأتي العلم بمعنى الظن: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ)[الممتحنة: 10]، وعكسه:(الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ)[البقرة: 46]
…
ويأتي العلم بمعنى المعرفة، ومنه: قوله تعالى: (لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)[التوبة: 101]، أي: لا تعرفهم نحن نعرفهم. قال البرماوي وغيره: (قد جاء علم بمعنى عرف، ومنه: قوله تعالى: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)[طه: 7]،
(1) انظر التمهيد (1/ 4)، والعدة للقاضي (1/ 68).
(2)
ونحوها قوله تعالى: (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا)[يوسف: 81]، وانظر التمهيد (1/ 40).
(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ)[غافر: 19]، (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ) [محمد: 31]، وهو كثير).
قوله: {[وعكسه]} يعني: تأتي المعرفة بمعنى العلم، وقد قال في ' المصباح ':(علمته أعلمه: عرفته، هكذا يفسرون العلم بالمعرفة، وبالعكس، لتقارب المعنيين) انتهى. قلت: وفي التنزيل: (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ)[المائدة: 83]، أي
: علموا).
وقال ابن النجار في "شرح الكوكب"(1/ 63): (العلم يطلق لغة وعرفا على أربعة أمور:
أحدها: إطلاقه حقيقة على ما لا يحتمل النقيض.
الأمر الثاني: أنه يطلق (ويراد به مجرد الإدراك) يعني سواء كان الإدراك (جازما، أو مع احتمال راجح، أو مرجوح، أو مساو) على سبيل المجاز، فشمل الأربعة قوله تعالى (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) [يوسف: 51] إذ المراد: نفي كل إدراك.
الأمر الثالث: أنه يطلق (و) يراد به (التصديق، قطعيا) كان التصديق (أو ظنيا) أما التصديق القطعي: فإطلاقه عليه حقيقة، وأمثلته كثيرة، وأما التصديق الظني: فإطلاقه عليه على سبيل المجاز (1)، ومن أمثلته قوله تعالى (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) [الممتحنة: 10].
الأمر الرابع: أنه يطلق (و) يراد به (معنى المعرفة) ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)[التوبة: 101].
وتطلق المعرفة (ويراد بها) العلم، ومنه قوله تعالى:(مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ)[المائدة: 83] أي علموا.
(و) يراد العلم أيضا (بظن) يعني أن الظن يطلق ويراد به العلم، ومنه قوله تعالى:(الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ)[البقرة: 46] أي يعلمون).
فظهر من هذا أن العلم ليس خاصا بالقطعيات كما ذكر الشيخ، وأنه يطلق ويراد
(1) وسوف يأتي بإذن الله مناقشة قضية المجاز وبيان الصواب فيها.
به الظن، والقطع، وأيضا معنى المعرفة.
الثاني - المعرفة غالبًا تقال في المحسوس، والعلم يكون غالبًا في المعقول:
قال في الشرح (ص/26): (المعرفة غالبًا تقال في المحسوس، والعلم يكون غالبًا في المعقول. فتقول: عرفت فلانًا، يعني: عرفت أن هذا هو فلان بن فلان. وتقول:
علمت حكم الوضوء، وهذا في الأشياء المعقولة المعنوية).
وهذا التفريق لا يساعد الشيخ على اختياره في تعريف الفقه بأنه معرفة الأحكام
…
، والأولى بناء على تفريقه هذا أن يعرف الفقه بأنه: العلم بالأحكام ....
وقال أبو حيان التوحيدي (1) في المقابسات: في المقابسة السبعون (ص/272): (وسألته عن الفرق بين المعرفة والعلم؟ فقال: المعرفة أخص بالمحسوسات والمعاني الجزئية: والعلم أخص بالمعقولات والمعاني الكلية).
الثالث - المعرفة انكشاف بعد لُبْس:
قال في الشرح (ص/26): (قالوا: المعرفة انكشاف بعد لُبْس، أي بعد خفاء، تقول مثلا: تأملت هذا الشيء حتى عرفته).
قال ابن النجار في " شرح الكوكب"(1/ 65): ("وهي" أي المعرفة "من حيث إنها علم مستحدث، أو انكشاف بعد لبس أخص منه" أي من العلم؛ لأنه يشمل غير
المستحدث. وهو علم الله تعالى. ويشمل المستحدث، وهو علم العباد ") (2).
وقد بين المرداوي الفرق بين كونها علم مستحدث، وبعد لبس فقال في "التحبير" (1/ 244):(وقوله: فهي علم مستحدث. هذا أصل وضعها في الغالب، وقيل: انكشاف بعد لبس، فهو قريب من الذي قبله، إلا أن الأول لم يكن حصل فيه لبس، بل استحدث من غير لبس).
وبناء على هذا الفرق فإننا إن قلنا أن الفقه هو المعرفة فحتى لا يدخل علم الله، وإن عرفناه بأنه العلم فيكون كالجنس، وما بعده كالفصل ليخرج علم الله، وسوف
(1) وقد اتهم بالزندقة فليحذر منه.
(2)
انظر أصول الفقه لابن مفلح (1/ 24).