الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حجة قول (1) الصحابي:
تحرير محل النزاع:
قول الصحابي إما أن يثبت له حكم الرفع أو لا؟ والأول سبق الكلام عنه، وكلامنا فيما لم يثبت له حكم الرفع - وهو لا يخلو من أن يشتهر، أو لا يشتهر، أو لا يعلم اشتهر أم لم يشتهر.
- والأول وهو ما اشتهر من أقوالهم: إما أن يوافقه سائر الصحابة على ذلك، أو يخالفوه، أو لا ينقل لنا كلامهم في ذلك.
- فإن اشتهر قوله ووافقه الصحابة فهو إجماع وهو حجة باتفاق.
- وإن اشتهر فخالفوه، فهنا ثلاث مسائل:
الأولى - أن قول بعضهم ليس حجة على بعض:
قال الجويني: [واجمعوا أن قول الصحابي لا يكون حجة على الصحابي](2).
قال الآمدي: [اتفق الكل على أن مذهب الصحابة في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماماً كان أو حاكماً أو مفتياً](3).
قال الشوكاني: [اعلم أنهم قد اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر. وممن نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر والآمدي وابن الحاجب وغيرهم](4).
قال الشنقيطي: [قول الصحابي الذي ليس له حكم الرفع ليس بحجة على مجتهد آخر من الصحابة إجماعاً](5).
الثانية - ألا نخرج عن أقوالهم:
قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يقول: (إذا كان في المسألة عن النبي صلى الله عليه
(1) دأب العلماء على التبويب لهذه المسألة بالقول، وهي عندي أعم من ذلك فيدخل فيها كل ما نسب للصحابي، ويدخل فيها عندي الإقرار.
(2)
الاجتهاد (ص/121).
(3)
الإحكام (4/ 385).
(4)
إرشاد الفحول (ص/405).
(5)
المذكرة (ص/166).
وسلم حديث لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة ولا من بعدهم خلافه وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم نخرج عن أقاويلهم إلى قول من بعدهم) (1) - وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان - بإذن الله - في باب الإجماع -.
الثالثة - أننا نرجح من بين أقوالهم ما ترجحه القرائن.
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى"(20/ 14): (وان تنازعوا - أي الصحابة - رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء).
- وأما أن يشتهر ولا يعلم له مخالف أو موافق فهذا هو الإجماع السكوتي، وهو حجة ظنية على الراجح من أقوال العلماء.
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى"(20/ 14): (وأما أقوال الصحابة فان انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء).
وإن لم يشتهر قوله أولم يعلم هل اشتهر أم لا؟. فهذا هو موطن النزاع.
وزاد البعض قيودا أخرى لتخصيص محل النزاع أكثر، وهذه الشروط متفق عليها:
- ومنها: ألا يخالف الصحابي نصا من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، وأما إن عارض القياس فالمسألة خلافية والظاهر عند أحمد حمل قولي الصحابي على التوقيف وتقديمه على القياس، وخالف أبو الخطاب.
قال الجيزاني في "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة"(ص/219): (قول الصحابي الذي اتفق الأئمة على الاحتجاج به لا يكون مخالفًا للقياس.
أما إن كان مخالفًا للقياس:
فالأكثر على أنه يحمل على التوقيف؛ لأنه لا يمكن أن يخالف الصحابي القياس باجتهاد من عنده.
وقول الصحابي المخالف للقياس - عند هؤلاء - مقدم على القياس؛ لأنه نص
(1) انظر المسودة (ص/248).
والنص مقدم على القياس، وقد تعارض دليلان والأخذ بأقوى الدليلين متعين.
وذهب بعض الأئمة إلى أن قول الصحابي لا يكون حجة إذا خالف القياس؛ لأنه قد خالفه دليل شرعي وهو القياس، وهو لا يكون حجة إلا عند عدم المعارض). وسيأتي مناقشة هذه المسألة - بإذن الله - في باب القياس.
- ومنها: ألا يكون ثبت عنه الرجوع عن قوله كما نقل في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه الرجوع عن قوله بعدم صحة صوم من أصبح جنبا، وهكذا.
الأقوال في المسألة:
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال كثيرة تزيد على الستة أقوال، ولن استطرد في تتعبها - حتى لا نخرج عن المقصود - وسأكتفي بتحرير أقوال المذاهب الأربعة وخاصة قول الحنابلة، ثم أعرض أقوال الشيخ مع الترجيح:
تحرير أقوال الأئمة الأربعة (1):
المشهور عن الأحناف القول بحجية قول الصحابي مطلقا، والقول بحجية قول الصحابي قول مشهور عن مالك وقد نسبه إليه كثير من المالكية، وذكر القاضي عبد الوهاب المالكي أن الأصح الذي يقتضيه مذهب مالك أن قول الصحابي ليس بحجة.
للإمام الشافعي رحمه الله قولان في المسألة:
القول الأول: القديم ولا يختلف أصحابه أنه يرى الاحتجاج بقول الصحابي في قوله القديم.
القول الثاني: الجديد وهو القول بعدم حجية قول الصحابي وقد اختلف في نسبة هذا القول للشافعي رحمه الله وأكثر أتباعه ينقلون عنه ذلك.
للإمام أحمد رحمه الله قولان في المسألة:
الأول: أن قوله ليس حجة وقد أومأ إلى هذا في عدة روايات منها:
1 -
قال في رواية أبي داود: " ليس أحد إلا آخذ برأيه وأترك ما خلا النبي صلى الله عليه وسلم"(2).
(1) بحث في ملتقى أهل الحديث مع بعض الزيادات.
(2)
مسائل أبي داود (ص 276) العدة لأبي يعلى (4/ 1183 (.
2 -
ونقل المروذي عنه أنه قال في حد قاذف أم الولد: " ابن عمر يقول على قاذف أم الولد الحد (1) وأنا لا أجترئ على ذلك إنما هي أمة أحكامها أحكام الإماء "(2).
3 -
نقل الميموني عنه أنه قيل له: إن قوماً يحتجون في النخل بفعل أبي بكر، فقال: هذا فعل ورأي من أبي بكر ليس هذا عن النبي- صلى الله عليه وسلم" (3).
4 -
ونقل عنه الميموني أنه سأله عن المسح على القلنسوة؟ فقال: ليس فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم -شيء وهو قول أبي موسى (4) وأنا أتوقاه " (5).
القول الثاني: أن قوله حجة:
1 -
قال ابن هانئ في مسائله (2/ 165): (قلت لأبي عبدالله: حديث عن رسول الله مرسل برجال ثبت أحبُّ إليك، أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت؟ قال أبو عبدالله رحمه الله: عن الصحابة أعجب إليّ).
2 -
روى أبو يعلى في الطبقات والخلال والحافظ ابن الجوزي في المناقب عن عبدوس بن مالك أبو محمد العطار قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول: (أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة وترك المراء والجدال والخصومات في الدين).
3 -
قال في رواية أبي طالب: في أموال المسلمين إذا أخذها الكفار ثم ظهر عليه المسلمون فأدركه صاحبه فهو أحق به، وإن أدركه وقد قسم فلا حق له كذا قال عمر ولو كان القياس كان له ولكن كذا قال عمر) (6).
4 -
ونقل عنه أبو الحارث: (ترك الصلاة بين التراويح واحتج بما روي عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء فقيل له فعن سعيد والحسن أنهما كانا يريان الصلاة
(1) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (7/ 439).
(2)
العدة لأبي يعلى (4/ 1183 - 1184).
(3)
العدة (4/ 1184).
(4)
أثر أبي موسى رضي الله عنه في المسح على القلنسوة ذكره ابن حزم في المحلى (8/ 84).
(5)
ونقل هذا أيضاً ابن هاني في مسائله (1/ 19).
(6)
العدة (4/ 1181) وينظر مسائل أبي داود (ص 243).
بين التراويح فقال: أقول لك أصحاب النبي وتقول التابعون) (1).
والروايات عن أحمد في هذا القول كثيرة جداً وظاهرة.
قول الشيخ:
رجح الشيخ القول المشهور عند الحنابلة وغيرهم من أن قول الصحابي حجة فقال في "الأصل"(ص/61): (الموقوف: ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع، وهو حجة على القول الراجح، إلا أن يخالف نصًّا أو قول صحابي آخر، فإن خالف نصًّا أخذ بالنص، وإن خالف قول صحابي آخر أخذ بالراجح يَا منهما).
وخالف الشيخ ذلك فقال في "الشرح"(ص/464): (والتحقيق في هذه المسألة أن يقال: أما من نص النبي صلى الله عليه وسلم على أن قولهم حجة فلا ريب في أنه حجة كأبي بكر وعمر، وأما من سواهما فمن كان من العلماء - علماء الصحابة المشهورين بالفقه المعروفين بالإمامة - فإن إتباعهم أولى من إتباع الإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة ومالك وأشباههم، - وقال أيضا: (فهؤلاء القول بأن قولهم حجة قول قوي جدا) -، وأما من كان دون ذلك كرجل أعرابي دخل المدينة وآمن بالرسول وعرف منه حكما، أو حكمين فإن قلنا:"قول هذا حجة" فهو قول فيه نظر قوي، وهو بعيد من الصواب
…
وهذا خلاف ما مشينا عليه في الأصل).
وحقيقة قول الشيخ هذا أنه مركب من عدة أقوال، فالقول بأن الحجة فيمن نص النبي على قولهم كأبي بكر وعمر، وظاهر عبارته أنه يخصصهما دون غيرهما من باقي الخلفاء لقوله صلى الله عليه وسلم:(اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وهذا القول لم أقف على قائله، قال ابن قدامة في "الروضة" (ص/165):(ذهب آخرون إلى أن الحجة قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقريب منه ما نسبه العلائي في "إجمال الإصابة" للبعض ولم يسمهم فقال (ص/51): (القول باتفاق الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأنه هو الحجة دون غيره فقد نقله جماعة من المصنفين دون أن يسموا قائله).
وأما تفريق الشيخ بين من اشتهر بالفقه وغيره فهو قول بعض الأحناف.
(1) العدة (4/ 1182).