الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثاني: من الفكر السامي
مدخل
…
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القسم الثاني من الفكر السامي:
في الطور الثاني للفقه وهو طور الشباب؛ حيث صار الفقه شابًّا قويًّا كاملًا سويًّا، وذلك بعد الوفاة مدة قرنين إلى آخر القرن الثاني، إذ أصوله كملت في الزمن النبوي وكثير من فروعه، ولم يبق إلّا التفريع والاستنباط بالاجتهاد المطلق ثم المقيد قبل شيوع التقليد في العلماء.
وفي هذا العصر امتدَّ الإسلام وكثرت الفتوح، واتسعت المملكة الإسلامية من الهند إلى الأندلس، واختلطت بأمم كثيرة دخلت فيه أفواجًا كفارس والروم، ودخلت الحضارة والرفه الفارسي والرومي للعرب، فكثرت النوازل، وظهر الفقهاء المفتون والقضاة العادلون، فصار للفقه مكان واعتبار؛ إذ فتحت الأقطار ومصِّرت الأمصار واتسعت بالإسلام الديار، عصر التمدن العربي والتقدم الإسلامي، فنزلت النوازل وظهرت جزئيات النصوص التي كانت كامنة بين العموم والخصوص، فاجتهد الفقهاء واستنبطوا الآراء وأسَّسوا المبادئ وقعَّدوا وأطلقوا.
ورووا السن وفسَّروا القرآن الكريم فعمَّموا وخصَّصوا وقيَّدوا وأطلقوا.
واستعانوا عليه بالآثار فجمعوها وفحصوها، وانقتدوا ما انتقدوا منها، وبينوا ما يصلح للدلالة وما فيها قادح، ومارسوا كيفية اندراج الجزئي في الكلي، والخاص تحت العام، وقاسوا لنظيره والشبيه على شبيهه، وصيروا هذه الأصول علومًا وصناعات تحتاج لمزيد الممارسات، لتنضبط بذلك الفقه وينتظم
أمر الاجتهاد الذي يتوقّف عليه تقدم الأمة وصون حقوقها.
كل المجتهدين كان يقصد غاية واحدة، وهي استنباط أحكام الوقائع من القرآن والسنة على ما يقتضيه روح التشريع الإسلامي متوخِّين الوصول إلى مراد الشارع، لا قصد لواحد منهم سوى هذا، لكنهم قد تنوعت أفكارهم ومبادئهم في كيفية الوصول إلى هذه الضالة المنشودة، كما سنورد لك بيانه.
ففي هذا العصر بلغ الفقه غايته، وأدرك أوان الشباب وترعرع، فأصبح شابًّا قويًّا غضًّا طريًّا، يتناول الفقيه أحكام الفروع من أغصان الكتاب والسنة والإجماع والقياس، لم تذبل نضرته بالتقليد المحض وسرد الفروع مسلَّمة كما تسرد الأعمال يوم العرض، بل ازدهى ثمر ثمره الغض إذ كان النمو، وقوته تزداد كمالًا بالاجتهاد، وحرية الفكر مطلقة العنان لكل الأفراد، ولم يكن حجاب التقليد سدًّا حيينًا بين العلماء وبين الكتاب والسنة كما هو في متأخر الصعور التي لم يبق عند أهلها لتلاوة القرآن نفع إلّا على أصحاب القبور، ومنعوا انتفاع الأحياء من فهمه، والاستطلاع على عجائب علمه، بل كان أصحاب القرنين الأولين يستصبحون بمصباح السنة والكتاب ويسيرون بمعيارهما، لا حائل، ولا مانع، فلا ينال إذ ذاك لقب عالم إلا المجتهد، وما كان القليد إلّا للعوام، ولهذا بقي من اصطلاح الفقهاء أن المقلد عامي ولو عاش في العلم مائة عام.
ففي هذه العصر أصبح الفقه علمًا عظيمًا وكنزًا مهمًّا جسيمًا، فامتدت فروعه وتنوعت أبوابه وفصوله ونضج واستوى، وألفت فيه مصنفات عظام يفتخر بها الإسلام، جامعة بين الفرع وأصلها، وافية بالمقصود كله في مدة لا تبلغ قرنين، مع أن دولة الرومان التي هي أرقى دولة قبل الإسلام ما ضبطت شريعتها إلّا بعد ما مضى من أيامها ما ينيف عن ثلاثة عشر قرنًا.
وهذا مما لم يتفق لغير الإسلام من الأمم ذوات الشأن وذلك لأمرين: متانة أصولة الشرعية وأحكامها لكونها بأمر إلهي، ونباهة العرب ونهضتهم التي بهرت العالم في كل باب طرقوه، ونشاطهم الذي لم يشبه ملل ولا كلل في الاعتناء بالعلوم وتدوينها، لا سيما الفقه الذي هو قانونهم الأساسي وزمام قضائهم، وصراط العدل الذي لا حياة لأمة دونه، مع شدة تمسكهم بالدين وتعظيمهم
للقرآن لأنه كلام رب العالمين.
ولنبدأ بزمن الصحابة الذي هو نحو مائة سنة من لدن وفاته صلى الله عليه وسلم، إلى آخر القرن الأول، نعم بوفاة معاوية انقرضت الخلافة من الصحابة رضي الله عنهم، وأصبحت في التابعين، أما ابن الزبير الذي تولّى بعده في مكة والعراق ومصر فإنه لم تتمّ له الخلافة مع قصر مدته، وكونه من صغار الصحابة المتقاربين في الرواية مع كبار التابعين؛ إذ جلّ مروياتهم عن الصحابة الكبار.
واعلم أن عصر الصحابة عصران: عصر الخلفاء، وهو ثلاثون سنة من ولاية أبي بكر إلى تنازل الحسن بن علي لمعاوية، والعصر الثاني عصر معاوية وبني أمية إلى آخر المائة الأولى.
وقد روى البخاري وغيره عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها أحد" 1، وهو عبارة عن انخرام القرن، وأن كل من كان حيًّا تلك الساعة لا يزيد على مائة سنة منها وكذلك وقع، فإن آخر الصحابة موتًا أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني، ولد عام أحد، وأثبت مسلم وابن عدي2 صحبته، وهوآخر من مات من جميع الصحابة على الإطلاق، توفي سنة مائة وقيل عشر ومائة، ولذا اعتبرنا آخر القرن الأول آخر عصر الصحابة تقريبًا، وعن عبد الله بن مسعود مرفوعًا:"تدور روحى الإسلام لخمس وثلاثين أو لست وثلاثين أو لسبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا" قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال: "مما مضى" رواه أبو دواد3.
1 متفق عليه: البخاري في العلم "1/ 39"، ومسلم في فضائل الصحابة "7/ 186".
2 عبد الله بن عدي الجرجاني أبو أحمد صاحب الكامل.
3 أبو داود في الفترة "4/ 98".