الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عمر بعده، وكان عثمان شديد الحياء والحلم، مائلًا إلى السلم والعافية، ووقعت في أيامه فتوح كثيرة، وظهر الرفه الكثيرة في الأمة بما لم ير مثله بعده، إلا أنه كبر سنه، وضعف جسمه، وكان له ثقة في قرابته بني أمية، فتغلَّبوا على أمره، وتولوا أعظم الولايات، وانتفعوا وراء ذلك بسعة العيش ووجاهة في الدولة، نَفَسها عليهم غيرهم، فوجدت الجمعيات السرية التي كانت تكيد الإسلام وجهًا للطعن فيها، مع استغنائه ببني أمية عن مشاروة أكابر المهاجرين والأنصار، الذين كانوا أهل شورى عمر؛ لأن عمر لم يترك للشورى نظامًا محكمًا في الانتخاب، وانتظام المجلس وكيفية التصويت، كما تقدمت الإشارة إليه، ونقم الطاعنون على عثمان أشياء لا تبرر عملهم ضده، فحاصروه بداره، وطلبوا منه أن يتخلى، فامتنع فاقتحموا عليه داره، وقتل شهيدًا ختام سنة "35" خمس وثلاثين1.
1 أبو عبد الله: سيدنا عثمان بن عفان القرشي الأموي، ولد بعد الفيل بست سنين، يكنَّى بأبي عمرو وأبي عبد الله، ت سنة 35هـ. تهذيب التهذيب "7/ 127"، ومعجم طبقات الحفاظ "127" معرفة الثقات "5/ 12"، والتاريخ الكبير "6/ 208"، إسعاف المبطأة "205"، التاريخ لابن معين "3/ 394"، دائرة الأعلمي "21/ 325".
ترجمة سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
الخليفة الرابع، أول من أسلم من الشبان، وأول قاضٍ ولَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان في اليمن، وتقدَّم الكلام على أقضيته واجتهاده، تربى في بيت النبوءة، وتغذى بلبان معارفها، ولما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، قال له:"أنت أخي وأنا أخوك" 1، وهو صهره على أعز الخلق عليه، وابن عمه الذي كان يحوطه، ومع ذلك لم يرشحه للخلافة، إبعادًا للسلطة الشخصية من ساحة الإسلام، بل ترك الأمر شورى للمسلمين يختارون من يشاءون، وهو أحد العشرة المبشرة، وأحد ستة الشورى، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان، والزهاد، والخطباء، والشعراء، ومناقبه في العلم وما أوتيه من الاجتهاد والفهم معلوم،
1 روى الترمذي عنابن عمر قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فجاء عليّ تدمع عيناه فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنت أخي في الدنيا والآخرة"، قال الترمذي: حديث حسن غريب "5/ 636".
وكان صاحب شورى عمر في أقضيته، وكذلك كان مع أبي بكر، وعثمان أيضًا، وكان عمر يتعوّذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن.
ويروى من فضائله قوله عليه السلام: "أنا2 مدينة العلم، وعلي بابها"1، قال مسروق3: شافهت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة: علي، وعبد الله -يعني: ابن مسعود، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأُبَيّ بن كعب، ثم شافهت الستة فوجدت علمهم انتهى إلى عليٍّ وعبد الله.
شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم إلّا تبوك، فإنه استخلفه فيها على المدينة، وقال له:"أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنَّه لا نبي بعدي" كما في الصحيحين4.
وفضائل علي ومناقبه ولا سيما في العلم وما أوتيه من الفصاحة والبلج بالحجة شيء لا يحصر، وكتب الصحاح مملوءة من ترجمته، وقد انتشرت أحكامه وفتاويه، ولكن قاتل الله الشيعة، فإنهم أفسدوا كثيرًا من علمه بالكذب عليه، أرادوا أن ينفعوا فضروا، ولهذا تجد أصحاب الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلّا ما كان من طريق الأثبات من أهل بيته، أو من أصحاب ابن مسعود، كعبيدة السلماني5، وشريح6، وأبي وائل7، ونحوهم. وكان
1 قال المؤلف رحمه الله: حديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات، وإن صححه الحاكم، وقال الحافظ ابن حجر: الصواب أنه حسن.
2 أخرجه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما "3/ 126"، وأخرج الترمذي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا دار الحكمة وعلي بابها" قال الترمذي: هذا حديث غريب منكر "5/ 637"، وقد استوفى الكلام فيه الحافظ السيوطي في اللآليء المصنوعة "1/ 328-336".
3 سبقت ترجمته.
4 متفق عليه: من حديث سعد بن أبي وقاص: واللفظ لمسلم: البخاري "5/ 24"، ومسلم "7/ 120.
5 متفق عليه: من حديث عمرو السلماني المرادي، أحد التابعين، ت سنة 72هـ، تذكرة الحفاظ "1/ 47".
6 شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي أبو أمية، ولي قضاء الكوفة زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية، ت سنة 77هـ، طبقات ابن سعد "6/ 90".
7 شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي، من السادة التابعين، أخذ عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. خلاصة الخزرجي "167"، وقد ترجم لهم المؤلف في القسم الثاني.
يقول: إن ههنا علمًا لو أصبت له حملة.
وقال عمر بن الخطاب: عليّ أقضانا1.
وقال عليه السلام: "أقضاكم علي" 2، قال عمر: لولا علي لهلك عمر، وكم من قضية ردَّ فيها علي عمر وعثمان فرجعا لرأيه، قال ابن مسعود: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة عليّ.
وقال ابن المسيب: ما كان أحد من الناس يقول: سلوني غير عليّ.
وقال عبد اللك بن أبي سليمان: قلت لعطاء: أكان في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد أعلم من علي؟ قال: لا والله ما أعلمه.
وقالت عائشة: أما إنه لأعلم الناس بالسنة، وقال ابن عباس: كنَّا إذا أتانا الثبت عن علي لم نعدل به.
وقال أيضًا: لقد أعطي تسعة أعشار العلم، وأيم الله، لقد شارككم في العشر العاشر، وقال ابن مسعود:" أعلم أهل المدينة بالفرائض علي.
وزهده وورعه شهير، وسيره بسيرة الخلفاء قبله كذلك في العدل والخراج وتنظيم بيت المال، والوقوف عند حد الشرع الشريف، وقد خصت ترجمته بتآليف، وهذه الآثار نقلت جلها عن أعلام الموقعين، والاستيعاب.
توفي شهيدًا بالكوفة سنة "أربعين" في رمضان3.
1، 2 سبق تخريحه.
3 سيدنا علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- القرشي البصري.
تهذيب التهذيب "7/ 294"، والميزان "3/ 133"، والمغني "4285"، ديوان الضعفاء "2936"، والكامل "5/ 1854"، مجمع الزوائد "1/ 79، 1/ 167"، لسان الميزان:4/ 235، 236"، دائرة الأعلمي "22/ 213".