الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسلم عن عبد الله بن عمر أنه دخل على أبيه حين احتضر فقال: زعموا أنك غير مستخلف، وأنه لو كان لك راعي إبل أو غنم ثم جاءك وتركها، أرأيت قد ضيّع، فرعاية الناس أشد، قال: فوافقه قولي، فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي، فقال: إن الله عز وجل يحفظ دينه، وإني لئن لا أستخلف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فوالله هو إلا أن ذكر رسول الله وأبا بكر عملت أنه لم يكن ليعدل برسول الله -صى الله عليه وسلم- أحدًا، وأنه غير مستخلف1.
فابن عمر كأبي بكر قاس رعاية الناس على رعاية الغنم والإبل، لكن عمر فرّق ببيهما بما رأيت، ورأى أن النبي عليه السلام لما لم يستخلف، ففي الأمر سعة، فقدَّم السنة على القياس.
ولا يقال: إن هذا ليس بقول ولا فعل ولا تقرير حتى يقال فيه سنة، لأنا نقول: إن بعض الأصوليين يقول: إن الترك هو من قبيل الفعل، على أنه إنما استدلَّ بالترك على جواز الترك، وأن ما دلَّ عليه القياس من الوجوب غير لازم، وأن فعل أبي بكر إنما كان اختيارًا لأحد شقي الجائز لمصلحة رآها والله أعلم.
1 مسلم في الإمارة "6/ 5".
اجتهاد عمر
مدخل
…
اجتهاد عمر:
وكان عمر كأبي بكر يجمع علماء الصحابة الماهرين في النوازل ويستشيرهم ويأخذ بمرويهم، فإن لم يجد فبرأي أغلبهم؛ لأن ديننا منبيٌّ على الشورى، قال تعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} 1، {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} 2 ففي البخاري أن القراء كانوا أصحاب مجالس عمر ومشارواته، كهولًا كانوا أو شبابًا، وأن الحر بن قيس كان منهم3.
وفي مسلم أن نافع بن الحارث، يعني: الخزاعي، لقي عمر بعسفان، وكان عمر
1 آل عمران: 159.
2 الشورى: 38.
3 البخاري في تفسير الأعراف: "6/ 76".
يستعمله على مكة فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى.
قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب اقوامًا ويضع به آخرين"1.
ولا تظن أن القرّاء كقراء زماننا يحفظون وقلما يفهمون، فكيف يجتهدون، بل كانوا أهل اللسان، ومعرفة باللغة غريزية، فيفهمون من مغامز القرآن ما لا يفهمه أمهر علماء الوقت.
فمن آراء عمر في صلاة تروايح رمضان، وليس له فيها إلّا جمع الناس عليها في المسجد بإمام واحد، وإلّا فالنبي صلى الله عليه وسلم حضَّ على قيام رمضان بقوله:"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدَّم من ذنبه" 2، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقومه في المسجد، فلما رآهم اجتمعوا عليه خاف أن يفرض عليهم، فلم يعد للخروج إليهم، ولما أمن ذلك بموته عليه السلام ندبهم عمر إلى الاجتماع، فليست بدعة شرعية بل لغوية فقط3.
ومن مجتهداته مسائل ميراث الجد، والعول، وضرب الجزية على أهل السواد بأرض الفرس، وتنظيم بيت المال للمسلمين، وتدوين الدواوين، وجعل التاريخ من الهجرة، ومثل هذين أخذهما عن الروم والفرس، لما كان له من الفكر الواسع فلم يكن يأنف من أخذ ما فيه مصلحة عن غيره من الأمم، ولو كانت كافرة، وجعل الأرزاق للجند على اختلاف4 مراتبهم في السابقية، وجليل
1 مسلم في فضائل القرآن "2/ 201".
2 متفق عليه: البخاري في الإيمان "1/ 17"، ومسلم في صلاة المسافرين "2/ 176".
3 فعل عمر في صلاة التروايح، أخرجه البخاري في الصوم، باب فضل من قام رمضان "3/ 85"، ومالك في الموطأ في كتاب الصلاة في رمضان.
4 قال المؤلف رحمه الله: مخالفًا في ذلك ما رآه أبو بكر من التسوية فيه محتجًّا بأنه لا يجعل العطاء ثمنًا لأعمالهم التي عملوها لله، وقال عمر: والله الذي لا إله إلا هو، ما أجد أحدًا إلّا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه، وما أجد أحق به من أحد إلّّّّّا عبد مملوك، وما أنا إلّا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله عز وجل، وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرجل وتلاده في الإسلام، والرجل وغناءوه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام، فرتَّب العطاء لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لكل واحدة اثنا عشر ألف درهم في السنة، ومثلها العباس، ثم =
الأعمال، إلى غير هذا، كل ذلك كان يستشير فيه أعلام الصحابة ويطبقه على نصوص القرآن والسنة والاستنباط، فما اتفق عليه جمهورهم أمضاه، وصار فقهًا مسلمًا، فيحفظه من حضر ويبلغه لمن غاب.
أمثله ذلك:
روى أبو بكر بن أبي شيبة1 عن رفاعة بن رافع قال: بينما أنا عند عمر إذ دخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر: عليَّ به. فجاء زيد فلما رآه عمر قال: أي عدو نفسه، قد بلغت أن تفتي الناس برأيك، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما فعلت، ولكن سمعت من أعمامي حديثًا فحدَّثت به من أبي أيوب، ومن أُبَيّ بن كعب، ومن رفاعة بن رافع، فقال عمر: عليَّ برفاعة بن رافع، فقال: قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل أن يغتسل؟ قال: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يأتنا فيه عن الله تحريم، ولم يكن فيه عن رسول الله شيء، فقال عمر: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك؟ قال: ما أدري.
فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار فجمعوا وشاروهم فأشار الناس أن لا غسل إلّا ما كان من معاذ وعلي، فإنهما قال: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، فقال عمر: هذا وأنتم من أصحاب بدر قد اختلفتم، فمن بعدكم أشد اختلافًا، فقال عليّ: يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد أعلم بهذا من شان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه، فأرسل إلى حفصة فقالت: لا علم لي، فأرسل إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال: لا أسمع برجل فعل ذلك إلّا أوجعته ضربًا.
صح من الجزء الأول عدد 24 أعلام الموقعين2.
=لمن شهد بدرًا خمسة آلاف، وألحق بهم الحسن والحسين، وأربعة آلاف لمن لم يشهدها، وكان أسلم إذا ذاك، وألحق بهم أسامة بن زيد حب رسول الله، وابن حبه، وثلاثة آلاف لأبناء المهاجرين والأنصار كعمر بن أبي سلمة، وابن عمر وطبقتهما، ألفين لمن دونهم، وثمامائة لأهل مكة، وأربعمائة إلى ثلاثمائة لسائر الناس، ولنساء المهاجرين والأنصار من ستمائة إلى مائتين، وفرض لأمراء الجيش وحكام القرى من سبعة آلاف إلى تسعة آلاف، وفرض للصبيان من عشرة إلى مائتين على اختلاف أسنانهم، وأبلغ رزق معاوية إلى ألف دينار في السنة أكثر من رزق الخليفة نفسه، لما رأى من المصلحة في ذلك.
1 أخرجه أحمد في مسنده "5/ 115"، والطحاوي في معاني الآثار "1/ 35"، وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر في سنن الترمذي "1/ 187".
2 "1/ 56" ط. الكليات الأزهرية 1388 هـ.